(( كيس )) .. بس مظلوم

 

رغم علمي بأن طرداً سيصلني إلا أني حين تلقيت الإتصال و إخبرتني موظفة مكتب الشحن بوجود (( كيس )) لي من جبلة
شعرت أنها مزحة أو مقلب من صديقة فقد مررت بموقف مشابه وكان دعابة سريعة …
توجهت أولاً  لإنها امر ما  ثم تابعت نحو مكتب الشحن
سلمني الموظف (( الكيس )) بسرعة وغادرت ..
لم تكن الموظفة  منصفة حين قالت (( كيس )) كان أكبر من كيس و أكبر من أن يتسع لمجموعة دي فيديز (( متل ما قالت لولو )) !!!
و ضعت (( الكيس )) المزعوم المظلوم  في حقيبة الظهر و أكملت مشواري لم أستعجل العودة للمنزل لرؤية ما به رغم أن فضولي و فرحتي كبيرة
فضول لأعرف ما هي تكل الافلام التي خصتني بها الجميلة لولو وفرحة لانها المرة الأولى التي اتلقى بها هدية بهذه الطريقة وهذه الظروف !
لم يكن بي برود أو لا مبالاة فكم الحماس الذي أتمتع به((  بيتوزع على جيش عرمرم بيقدر يحرر كوكب الأرض :) )).. لكنها الرغبة بالإحتفاظ بعنصر المفاجأة والفرحة أكبر فترة مممكنة ..
ألم يفكر أحدكم أن يؤجل فتح رسالة أو هدية أكبر فترة ممكنة ليحتفظ بهذا العنصر الجميل : الفرحة والمفاجأة _ هذا ما أفعله مع بعض الرسائل والهدايا(( فيس عم يغمز )) -
كانت فرحتي ملاصقة لي  (( في الباك باج )) و اللهفة لفتحها لا تفارقني أشد بيدي على حقيبة ظهري كل حين و أتحسس (( الكيس ))
و أخيراً وصلت إلى البيت   و أخرجت (( الكيس )) من الباك باج  :



ممممم لابد من إحضار المقص :




و :



لوني المفضل .. الأزرق ودرجاته !
من أخبر لوليتي به ؟
فنانتي المفضلة جوليا روبرتس !!
الأغاني المفضلة !!
و …. كان بين تلك الأشياء وجه لولو (( لجين )) وتهيأ لي أن رائحة عطرها كانت تفوح
(( لوليتي)) صدقاً ألجمت الفرحة والدهشة لساني
أعدتني سنوات وسنوات إلى الوراء ..  وددت لو أغلق الهدية و أفتحها عشرات  المرات
لأعيد مشاعر اللهفة والفرحة والدهشة بهذا (( الكيس ))
لم تكن مجرد هدية أو أفلام و بطلة أحبها أو أغاني تعجبني
كانت أشياء كثيرة مجتمعة في (( كيس )) مزعوم مظلوم
كان يفترض بالموظفة ان تقول لي أنه (( كونتينير )) به الكثير من الفرحة و المحبة
به خيط رفيع متين من المحبة والود  بين الشام وجبلة به مشاعر رقيقة لصبية جبلاوية

تلقيت هديتها قبل أن يقدر الله لي أن ألتقيها

إمتناني الكبير لكِ

لُجين

دمشق 25 / 7 / 2010

 

… ماذا بعد ؟

 

كانت البداية منتديات و صاحَب بعض تلك المنتديات شات خاص بها
أيضا كان هناك غرف دردشة هابطة و أُخرى راقية و أخرى متل الحمام المقطوعة ميتو
و بالطبع كان عمو مسنجر بنوعيه هوتميل وياهو .. و لحق به فورا الأوديجو
إختفى الأوديجو و بقي المسنجر صامداً …
و ظهرت بعد فترة روابط راسلني في تواقيع الأعضاء و روابط الفليكر
و الديفيانت و لكن بخجل شديد ..
و استبدل البعض تلك الروابط بالمدونات : ذلك العالم الخاص الشخص الجميل ..
خفت بريق المنتديات وغرف الشاتبأنواعها بعد سطوع نجمي اليوتيوب و الفيس بوك
وما به من حرية كبيرة ميزات كثيرة :
مدونة صور فانز شات دردشة .. كل سبل التواصل
و احتل الفيس بوك المرتبه الأولى على حساب اليوتيوب و بقي المسن صامداً
رغم ظهور منافس جديد (( السكايبي ))
إلا ان نجمه افل لدي الكثيرين لعدم خصوصيته و ربما كونه موجه لفئة معينة
لها أهداف اخرى غير الثقافة والسخافة والخناقات …
تطورت المنتديات و أصبحت ملفات الأعضاء تجمع الكثير من ميزات الفيس و المدونة ومعارض الصور …
و أخيرا ظهر الفورم سبرينج .. عالم اخر جميل / قبيح …و سيلة اخرى للتواصل و التنافر والتناحر كمان …
ولا يزال المسنجر صامداً حتى الأن …
ترى ما الجديد القادم ….؟!



بمناسبة :
قرب مرور 10 أعوام على دخولي عالم النت
يعدمني ياه ..و يؤبش قلبي في آن معاً


هامش :
أجزم أن مبتكري ومصممي تلك المواقع ما ابتكروها إلا للتواصل بين الناس
و لتقريب وجهات النظر بينهم و للتعارف و نقل الأفكار …و للتسلية أيضا
و اتخذها الكثيرون للتناحر والخلاف و الإختلاف و إرتداء المزيد من الأقنعة..

 

من جُبران إلى مي ( 14 ) الأخيرة

 

ماري , يا صديقتي العزيزة .

عرفت اليوم ان والدكِ قد ذهب الى ما وراء الأفق الذهبي

و أنه قد بلغ المحجة التي يقصدها الناس كلهم ,

فماذا يا ترى أقول لكِ ؟ أنت يا ماري أبعد فكرا وسمعاً

من تلك الألفاظ التي يقولها الناس معزّين مواسيّن .

و لكن في قلبي الرغبة والشوق الى الوقوف امامك

و في قلبي الحنين الى ضمّ يدكِ بيديّ صامتا شاعرا ً

بكل ما يغمر روحكِ الحلوة على قدر ما يستطيع القريب الغريب ان يشعر بما تشعرين .

و الله يباركك يا ماري و الله يحرسك كل يوم وكل ليلة .

والله يحفظكِ لصديقكِ .


جبران


نيويورك 10 كانون الاول

1929

انتهت …

فيما كنت أقرأ الكتاب شعرت بكل كلمة في رسائل جبران … كل حزن , فرح , دمعة او بسمة …

لم تكن مجرد رسائل كانت مشاعر حية …

توقف عذب كلام جبران عذب رسائله اليها و الينا وكان ذلك بتاريخ 26 اذار 1931

فقد كان رسم ليد تحمل شعلة هو اخر ما ارسله لها…

ولكن بقيت شعلتهما الزرقاء خالدة فيها …لم تنطفئ ابداً كما أرادا لها ..

كل الشكر لمن ساعدني في التعرف الى هذا الكتاب …

شــShamــام

 

من جُبران إلى مي ( 13 )

 

لنعد الآن الى حال عينيك . كيف حال عينيك يا ماري ؟ أنت تعلمين , أنت تعلمين بقلبك ان حال عينيك يهمني الى درجة قصوى . و كيف تسألين هذا السؤال و أنتِ تشاهدين بعينك ما وراء الحجاب . أنت تعلمين ان القلب البشري لا يخضع الى نواميس القياسات و المسافات و ان اعمق و أقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم اليها و نجد في الأستسلام لذة و راحة و طمأنينة مع اننا , مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها او تحليلها . يكفي انها عاطفة عميقة قوية قدسية . فلم السؤال ولم الشك ؟ و من منا يا ماري يستطيع ان يترجم لغة العالم الخفي الى لغة العالم الظاهر ؟ من منا يستطيع أن يقول (( في روحي شعلة بيضاء اما أسبابها فكذا وكذا , وأما معناها فكذا وكذا , وأما نتائجها فكذا وكذا )) ؟ كفى المرء ان يقول لنفسه (( في روحي شعلة بيضاء )) . قد سألت عن عينيكِ يا ماري لأنني كثير الأهتمام بعينيك لأنني أحب نورهما , وأحب النظرات البعيدة فيهما , و أحب خيالات الأحلام المتموجة حولهما . ولكن اهتمامي بعينيك لا يدل على أنني قليل الاهتمام بجبهتك وأصابعكِ . الله يبارككِ يا ماري المحبوبة , ويبارك عينيكِ و جبهتكِ و أصابعكِ والله يحفظكِ دائما .

جبران

نيويورك 23 اذار1925


****

ما قولك في رجل يستيقظ من غفلته صباحا فيجد الى جانب فراشه (( رسالة )) من صديقة يحبّها فيقول بصوت عال (( صباح الخير )) , أهلا وسهلا ثم يفتح (( الرسالة )) بلجاجة العطشان – فماذا يجد ؟ لا أكثر و لا أقل من قصيدة لشوقي بك !

لا بأس – سوف أبحث لإأحصل على قصدية طويلة ممتعة لناسج بردها حليم أفندي دموس فأشرحها شرحا كافيا وافيا و أبعث بها اليك ! (( وأخذ الثار مُش معيار )) لو جاءت قصيدة شوقي بك في أول نيسان لاستظرفت النكتة و قلت في سرّي : (( ما احسنها صبية , وما أعرفها بأحوال البريد الدولي )) , و لكن القصيدة جاءت في أول شهر أيار , شهر الورود , فماذا يا ترى أفعل سوى أن أعض شفتي ( هكذا يفعل بعض الرجال في حالة الغضب ) حانقا مفعما فضاء منزلي بالضجيج .

أجل , سوف ادرس فلسفة (( سن بسن و عين بعين )) فأبعث اليك بكل ما تتكرم به قرائح أمراء الشعر العربي .

أسألك الآن – كيف أستطيع أن أصرف ما بقي من هذا النهار كما يجب ان أصرفه قبل أن اغفر لك و أسامحك ؟ ان قصيدة أمير شعرائكم قد ألقت حفنة من التراب في فمي , وعليّ أن أغسل الطعمة بعشرين فنجان من القهوة و بعشرين سيجارة , بل وعلي أن أقرأ عشرين قصيدة لكيتس و شالي و بليك , وقصيدة واحدة لمجنون ليلى !!

و بالرغم من كل شيء , افتحي كفّك . . كذا , كذا كما يفعلون ..

جبران

نيويورك أيار 1927


 

عن الحزن

 

- أعمق الحزن حزنُ بلا دموع


- إن الدموع مطافيء الحزن الكبير



- الصبر أفضل علاج للحزن


- القلب المملوء حزناً كالكأس الطافحة يصعب حمله

***


- أشد ُ الأحزان إذا  تذكر الإنسان أفراحهُ وقت أتراحه

دانتي


- أمرُ ما في أحزان ِ يومنا ذكرى أتراح أمسِنا

جبران


-الحُزن كالكنز الكبير لا نفتحه ُ إلا أمام أصدقائنا الحميمين

مثل شعبي


- و إني رأيتُ الحزن للحزنِ ماحياً كأنما

خُط في القرطاسِ سطرٌ على سطرٍ

- يُسري عن الإنسان إن بث حزنهُ

و يرتاح ُ للشكوى لمن يعشق ُ

حفني ناصف


- رأيتً الدهر مختلفاً يدور ً

فلا حزنُ يدوم ولا سرورُ

و قد بنت الملوك فيه قصوراً

فلم تبق الملوك ولا القصور

الإمام علي كّرم الله وجهه


الكثير  من الإبداع يخرج من رحم الأحزان


من رحم الحزن كُتبت قصائد و روايات و أغاني

من صوت الناي الحزين تولد أجمل الألحان

من رحم الأحزان تخرج بعض الأفراح وربما الكثير منها

أجمل/ أرقى  الإبتسامات تلك المرسومة في عيون حزينة

أجمل/ أرقى الضحكات تلك التي تخرج من صوت حزين


شام


* * *


http://www.youtube.com/watch?v=OBynladooXw&feature


 

* عـمّـــــار *

 

*

كان سؤاله عما تعنيه لي الشام أول تقاطع لي مع عمّار على النت

بعد هذا السؤال بدأت أشعر أني أعرف عمّار من زمان كتير …

ترى هل كان عمار يعرف ان الحديث عن الشام هو  بوابة كبيرة لروحي ؟؟؟!

… وهل يعرف كما يعرف كل من يعرفني إني عاشقتها للنخاع  / للجنون؟!


*

*

هل تعرف عمّار أن النسمة الدمشقية في رسالتك هذه

قد وصلتني منعشة برائحة الياسمين؟؟؟

نعم وصلت يا عمّار

.. غمضت عيوني ورحت للمهاجرين مشيت بالسكة

كانت الدنيا ليل والنسمة الباردة وصلتني مع ريحة الياسمين

و دمعت …

*

*

لما فكرت بهالموضوع خطرت ببالي فيروز بغنية ( نسم علينا الهوا )

هالغنية كتير بتعنيلي و  عمار الصديق البعيد ما عاد مجرد صديق

فاجأني بأحلى هدية .. مقطع لبردى وهو معبى مي

*

http://www.youtube.com/watch?v=q7Shgfb16kE

عمّار صار متل نسمة غنية فيروز بتحمل معها الياسمين و بتجيبلي البشاير من بلادي

و متل الحمام الزاجل   يللي بيحمل دائما الأخبار الحلوة من أرض الياسمين ..

عمّار نموذج مشرف جداً لأبناء بلدي الذي لطالما توسمت بهم خيراً

الله يحميك(( عمّار  ))  و يبعتلك أحلى الأيام ولكل بلدي وأهل بلدي

***

http://www.youtube.com/watch?v=TUbQcxsJwWQ&feature

 

مِن جُبران إلى مي ( 12 )

 

تقولين لي انك تخافين الحب . لماذا تخافينه يا صغيرتي ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مد البحر ؟أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لما يا ترى تخافين الحب ؟

انا اعلم ان القليل في الحب لا يرضيك , كما أعلم ان القليل في الحب لا يرضيني . أنت و أنا لا ولن نرضى بالقليل . نحن نريد الكثير . نحن نردي كل شيء . نحن نردي الكمال . أقول يا ماري ان في الأرادة الحصول , فاذا كانت ارادتنا ظلا من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من انوار الله .

لا تخافي الحب يا ماري , لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي , علينا ان نستسلم اليه رغم ما فيه من الألم و الحنين و الوحشة و رغم ما فيه من الالتباس و الحيرة .

اسمعي يا ماري : أنا اليوم في سجن من الرغائب . وقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت . و أنا اليوم مقّيد بقيود فكرة قديمة , قديمة كفصول السنة , فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج الى نور النهار , و هل تقفين الى جانبي حتى تنكسر هذ القيود فنسير حرّين طليقين نحو قمة جبلنا ؟

و الآن قربي جبهتكِ . قربي جبهتكِ الحلوة – كذا , كذا . و الله يباركك و الله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة .

نيويورك 26 شباط 1924


جبران


****


ما أعذب صغيرتي المحبوبة تذكرني في صلاتها كل يوم . ما أعذبها و ما أكبر قلبها وما أجمل روحها .

ولكن ما أغرب سكوت صغيرتي المحبوبة , ما أغرب سكوتها . ذلك السكوت الطويل كالأبدية العميق كأحلام الآلهة – ذلك السكوت الذي لا يترجم الى أية لغة بشرية . ألا تذكرين أنه لما جاء دورك في الكتابة لم تكتبي ؟ أو لا تذكرين أننا تعاهدنا على معانقة الصلح و السلام قبل أن يعانق الليل الارض ؟

وأنتِ تسألين عن حالي , وعن (( خاطري )) , و عن الأمور التي تشغلني , اما حالي فهو مثل حالكِ تماما يا ماري . أما خاطري فلم يزل في الضباب حيث اجتمعنا – أنت و أنا – منذ الف سنة . أما الامور التي تشغلتي في هذه الأيام فهي من الامور المضطربة المشوشة , تلك الامور التي لا بد لمن كان مثلي من اجتيازها , رغب فيها , او لم يرغب .

الحياة يا مريم أغنية جميلة , فبعضنا يجيء نبيرة في تلك الاغنية و بعضنا يجيء قرارا . ويبدو لي يا مريم أنني لست بالنبرة و لست بالقرار . يبدو لي انني لم ازل في الضباب , في ذلك الضباب الذي جمعنا منذ الف سنة .

……………………

…………………..

هذا كل ما أعرفه الأن عن (( أنا )) فلنعد ان شئت الى موضوعنا المهم , لنعد الى حبيبتنا الحلوة : كيف حالك و كيف حال عينيكِ ؟ وهل انت سعيدة في القاهرة مثلما انا سعيد في نيويورك ؟ وهل تمشين ذهابا و ايابا في غرفتك بعد منتصف الليل ؟ و هل تقفين بجانب نافذتك بين الأونة و الأخرى و تنظرين الى النجوم ؟ وهل تلجأين بعد ذلك الى فراشك , و هل تجففين ايتسامات ذائبة في عينيك بطرف لحافك – هل أنت سعيدة في القاهرة مثلما انا سعيد في نيويورك ؟

أفكر فيكِ يا ماري كل يوم وكل ليلة , افكر فيكِ دائما و في كل فكر شيء من اللذة و شيء من الألم . و الغريب أنني ما فكرت فيكِ يا مريم الا وقلت لك في سري (( تعالي واسكبي جميع همومك هناو هنا على صدري )) و في بعض الاحيان اناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الأباء المحبين والأمهات الحنونات .

و ها أني اضعقبلة في راحة يمينكِ و قبلة ثانية في راحة شمالك , طالبا من الله ان يحرسك و يبارككِ و يملأ قلبك بأنواره , وان يبقيكِ أحب الناس الي

جبران

9 كانون الاول 1924

*****

يا ماري – كنت في السادس من هذا الشهر أفكر فيكِ كل دقيقة بك كل لحظة , وكنت أترجم كل ما يقوله لي القوم الى لغة ماري وجبران – وتلك اللغة لا يفهمها من سكان هذا العالم سوى ماري وجبران .. و انت تعليمين طبعا أن كل يوم من أيام السنة هو يوم مولد كل واحد منا .

ان الأماركيين ارغب شعوب الأرض في التعييد و في ارسال الهدايا و الحصول عليها . و لسر خفي عني يعطف الأماركيون علي خلال هذه المواسم , و في السادس من هذا الشهر أوقعتني شدة عطفهم مخجولا امام نفسي مغفورا بعرفان الجميل . ولكن يعلم الله ان الكلمة الحلوة التي جاءتني منكِ كان أحب لديَ و أثمن عندي من كل ما يستطيع الناس جميعهم أن يفلوا أمامي . الله يعلم ذلك , وقلبك يعلم .

و بعد التعييد جلسنا و أنت و أنا , بعيدين الا عما بناو تحدثنا طويلا و وقلنا ما لا يقوله سوى الحنين , و قلنا ما لا يقوله سوى الأمل . ثم حدقنا بنجم بعيد و سكتنا . ثم عدنا الى الكلام فتحدثنا حتى الفجر . وكانت يدكِ المحبوبة فوق هذا المكان الدقاق حتى الفجر .

و الله يرعاكِ و يحرسك يا مريم . و الله يسكب انوراه عليكِ . والله يحفظكِ لمحبك .

جبران

نيويورك 12 كانون الثاني 1925

 

من ميّ الى جُبران …

 

*

*

*

… جبران ! لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب . ان الذين لا يتاجرون بمظهر من مظاهر الحب ودعواه في المراقص و الاجتماعات ينمّي الحب في اعماقهم قوة ديناميكية رهيبة قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الألا السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف ضغط العواطف التي لم تنفجر , و لكنهم يغبطون الاخرين على راحتهم دون ان يتمنوها لنفوسهم , و يفضلون وحدتهم , و يفضلون السكوت , و يفضلون تضليل قلوبهم عن ودائعها , والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة . يفضلون اي غربة , و اي شقاء ( وهل من شقاء و غربة في غير وحدة القلب ؟ ) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة .

ما معنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا اعرف ماذا اعني به , و لكني اعرف أنك محبوبي , و أني اخاف الحب . أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير . الجفاف و القحط و اللاشيء بالحب خير من الزر اليسير . كيف أجسر على الأفضاء اليك بهذا . و كيف افرّط فيه ؟ لا أدري . الحمد لله أنني أكتبه على الورق و لا أتلفظ به , لأنك لو كنت الأن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام , و لأختفيت زمنا طويلا , فما أدعك تراني الابعد ان تنسى .

… حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية … أتذكر قول القدماء من الشرقيين : أنه خير للبنت أن لا تقرأ و لا تكتب . ان القديس توما يظهر هنا . وليس ما أبدي هنا أثر للوراثة فحسب , بل هو شيء ابعد من الوراثة . ما هو ؟ قل لي انت ما هو . وقل لي ما اذا كنت على ضلال او هدى فاني اثق بك , و اصدق بالبداهة كل ما تقول ! وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فان قلبي يسير اليك , و خير ما يفعل هو ان يظل حائما حواليك , يحرسك و يحنو عليك .

… غابت الشمس و راء الأفق , و من خلال السحب العجيبة الأشكال و الألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة , آلهة الحب . أتُرى يسكنها كأرضنا بشر يحبون و يتشوقون ؟ ربما وجد فيها من هي مثلي , لها جبران واحد , حلو بعيد هو القريب القريب , تكتب اليه الآن و الشفق يملأ الفضاء , و تعلم ان الظلام يخلف الشفق , وان النور يتبع الظلام , وان الليل سيخلف النهار , والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل ان ترى الذي تحبه , فتتسرب اليها كل وحشة الشفق , وكل وحشة الليل , فتلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد : جبران !

ماري زيادة

15 / 1 / 1924

 

من جُبران إلى مي ( 11 )

 


كان هذا الوادي في الصيف الغابر يذكرني بأودية لبنان الشمالية .

لا , لا اعرف عيشا اهنأ من عيش الأودية . و أحب الأودية يا ماري في الشتاء , ونحن امام موقد , ورائحة عود السرو المحروق تملأ البيت , و السماءتنثر الثلوج خارجا , والريح تتلاعب بها , وقناديل الجليد مدلاة وراء زجاج النوافذ , وصوت النهر البعيد و صوت العاصفة البيضاء يتآلفان في مسامعنا ..

و لكن اذا لم تكوني صغيرتي المحبوبة قريبة مني فلا كان الوادي و ولا الثلج , ولا رائحة عود السرو , و لا بلّور قناديل الجليد و لا أنشودة النهر , ولا هيبة العاصفة .. بعدا (( لها كلها )) اذا كانت صغيرتي المباركة بعيدة عنها وعني .

و أسعد الله مساء الوجه الحلو المحبوب .

جبران

نيويورك 31 كانون الاول 1923

 

حضن مجاني

 

أعلنت امرأة كندية عزمها على مواصلة معانقة كل الذين تصادفهم في شوارع مدينة تورنتو، وللسنة الثالثة على التوالي من دون أي مقابل، “لأن الكثير من الناس يحتاجونه”.
وقالت تانيا نيومير ( 26 سنة)، التي بدأت الأحد الماضي بعناق المارة مع أخيها الأكبر إيان:بعض الناس يبتسمون ويكملون طريقهم، فيما البعض الآخر يأتي راكضا لأنه يحب العناق».
وحملت تانيا وشقيقها إيان وبعض أصدقائهما لافتة كتب عليها “عناق مجاني”، مما أدهش بعض المارة وخلق جوا من الراحة لأشخاص آخرين.
إلى ذلك، قالت لويز كولين (54 سنة): إن هذا يجعل يومك سعيدا.. يجب أن يكون هناك أشخاص آخرون يفعلون ذلك أيضا.
من جانبها، قالت تانيا إنها استلهمت هذه الفكرة من مجموعة تطلق على نفسها “أعمالنا تدل علينا”، ومن الكتاب الذي وضعته وهو بعنوان “غير العالم من أجل 10دولارات: 50 عملا من أجل تغيير العالم”.
وعن عناقها للمارة في شهر شباط/فبراير قالت تانيا “قد يكون هذا الشهر الأقصر في السنة ولكنه الجزء الأطول من الشتاء”، مضيفة “لهذا السبب فإن كثيرين بحاجة للعناق …

من بريدي والمرسل أضاف :
المهم والسؤال يللي بيطرح نفسو
ما بدها تزور سوريا !

و أجيبه الله لا يقدر ..

بغض النظر عن صحة الخبر – و لو انه غير مستبعد أبداً أبداً _ فكرت لو فرضاً

صادفت هذه السيدة هل سأبادر لحضنها وجعله تحضنني !!!

و أول جواب خطر ببالي هو :

لا

و لعدة أسباب أولها أنه قد سبقني 15 على الأقل و حضنوها

و بينهم 3 على الأقل خرجوا من المنزل دون أن يستحموا

و 2 ربما ريحتهون بصل وتوم  هادا لو ما كان في واحد على

الأقل دوبو طالع من شي خمارة إضافة لرائحة السجائر.. الخ

السبب الثاني و لا يقل اهمية عن الأول هو :

أنها تقوم بحسب الخبر بهذا العمل بدافع الشفقة و التعاطف

مهما حاولنا تجميل الكلمة و إلباسها ثوب اخر لتلطيفها

و السبب الأهم هو لن أقبل حضن من لا أعرف بدافع شفقته

هذا الحضن وإن كان مجاني فهو خالٍ تماما من المشاعر

هو مجرد عمل تؤديه صاحبته ..

أبشع الأعمال تلك التي نقوم بها من أجل الواجب بدون دافع
عاطفي بدون مشاعر و إحساس بالأخر نقوم بها لأجل الواجب

أو المال أو المصلحة و أسباب أخرى كتير غير نبيلة ربما ..

احتاروا الناس بشو يتبرعوا بالدم والا الأعضاء والا اللحم !!
يمكن بشان هيك كترانة حالات تشوهالأجنة !!!


ما علينا

شخبطة صباحية

 

من جُبران إلى مي ( 10 )

 

ما أعذب رسالتك في قلبي . ما احلاها في قلبي يا ميّ .

ذهبت الى البريةمنذ خمسة ايام , ولقد صرفت الأيام الخمسة موّدعا الخريف الذي احبه , و رجعت الى هذا (( الوادي )) منذ ساعتين , رجعت مثلّجا و مجلّدا , ذلك لأنني قطعت مسافة اطول من تلك المسافة الكائنة بين الناصرة وبشرّي في سيارة مكشوفة .. و لكن .. ولكن رجعت فوجدت رسالتكِ , وجدتها فوق رابية من الرسائل , وانت تعلمين ان جميع الرسائل تضمحل من أمام عينيّ عندما اتناول رسالة من صغيرتي المحبوبة , فجلست و قرأتها مستدفئا بها . ثم ابدلت أثوابي . ثم قرأتها ثانية , ثم ثالثة , ثم قرأتها و لم أقرأ شيئا سواها . و أنا يا مريم لا امزج الشراب القدسي بعصير أخر .

أنت معي في هذه الساعة . انتِ معي يا ميّ , انتِ هنا , هنا , وأنا أحدثكِ ولكن بأكثر من هذه الكلمات , أحدث قلبك الكبير بلغة أكر من هذه اللغة , وأنا اعلم أنك تسمعين , أعلم اننا نتفاهم بجلاء و وضوح , واعلم اننا أقرب من عرش الله في هذه الليلة منا في أيّ قوت من ماضينا .

احمد الله واشكره . احمد الله واشكره , فقد رجع الغريب الى وطنه وعاد المسافر الى بيت أمه وأبيه .

في هذه الدقيقة مرّت بخاطري فكرة جليلة, جليلة جدا فاسمعي يا صغيرتي الحلوة : اذا تخاصمنا ( هذا اذا كان لابد من الخصام ) يجب ان لا نفترق مثلما كان نفعل في الماضي بعد كل معركة . يجب ان نبقى , برغم الخصام , تحت سقف بيت واحد حتى نملّ الخصام فنضحك , او يملّنا الخصام فيذهب هازّا رأسه .

ما قولك في هذا الرأي ؟

انت اقرب الناس الى روحي , وأنتِ اقرب الناس الى قلبي , ونحن لم نتخاصم قط بروحينا او بقلبيان . لم نتخاصم بغير الفكر والفكر شيء مكتسب . شيء نقتبسه من المحيط , من المرئيات , من مآتي الأيام . أما الروح والقلب فقد كانا فينا جوهرين علويين قبل ان نفتكر .

أحب صغيرتي , غير أنني لا ادري بعقلي لماذا احبها , و لا أريد ان ادري بعقلي . يكفي أنني احبها بروحي و قلبي , يكفي انني أسند رأسي الى كتفها كئيبا غريبا مستوحدا فرحا مدهوشا مجذوبا , يكفي أن أسير الى جانبها نحو قمة الجبل وأن أقول لها بين الآونة و الأخرى (( أنتِ رفيقتي , أنتِ رفيقتي )) .

يقولون لي يا ميّ أنني من محبي الناس , و يلومني بعضهم لأنني أحب جميع الناس , نعم , أ؛ب جميع الناس , احبهم بدون انتخاب و بدون غربلة , احبهم كتلة واحدة , أحبهم لأنهم من روح الله ولكن لكل قلب فبلة خاصة , لكل قلب وجهة ذاتية يتحول اليها ساعات انفراده , لكل قلب صومعة يختلي فيها ليجد راحته و تعزيته , لكل قلب قلب يشتاق الى الاتصال ب ليتمتع بما في الحياة من البركة والسلامة او لينسى ما في الحياة من الألم .

شعرت منذ أعوام بأنني وجدت وجهة قلبي , وكان شعوري حقيقة بسيطة واضحة جميلة , لذلك تمرّدت على القديس توما عندما جاء مشكا مستفحصا . وسوف اتمرّد على القديس توما و بنصر القديس توما حتى يتركنا في خلوتنا السماوية مستسلمين الى أيماننا السماوي .

هاقد بلغنا ساعة متأخرة من الليل و لم نقل بعد سوى القليل القليل مما نردي ان نقوله . الافضل ان نتحدث ساكتين حتى الصباح . وعند الصباح ستقف صغيرتي المحبوبة بجانبي أمام أعمالنا الكثيرة . و بعد ذلك , بعد انقضاء النهار ومشاكله , سنعود و نجلس أمام هذا الموقد ونتحدث .

و الأن قرّبي جبهتك , كذا , – والله يبارككِ , والله يحرسكِ .

جبران

نيويورك عند منتصف الليل

بين 1 و 2 كانون الاول 1923

*****

احمد الله واشكره فقد عدنا لنرعى قطيعنا في الوادي الهاديء بعد ان كنا أستاذين في مدرسة ! أحمد الله وأشكره لأن مريم الحلوة تسمعني صامتا مثلما اسمعها صامتة و تفهمني مشغوفا مثلما افهمها عطوفة .

لقد حمدت الله وشكرت النهار و طوله لان مي كانت طول النهار تتكلم و تأخذ بيدي و تعطي بيدي . وكنت طول النهار انظر بعينيها فأرى اللطف في وجوه الناس , و اصغي بأذنيها فأسمع العذوبة في اصواتهم .

و أنت تسألين عن صحتي , و عندما سألين عن صحتي تتحول بنيّتي الى أم كلها حنان . صحتي جيدة جدا . فقد ذهبت تلك العلة تلك العلة وتركتني قويا متحمسا رغم البياض الذي تركته في شعر صدغيّ !

أمامن الأن مسألة مهمة علينا ان نبحث فيها : تذكرين طبعا انك اظهرت لي منذ اسابيع (( سرّا )) هائلا . و تذكرين أنك لم تظهري (( السر )) الا بعد ان اقبل (( شروطك )) . و الغريب انني قبلتها قبل ان اعرفها . فما هي تلك الشروط ؟ تفضلي يا ستي مريم و قولي ما هي شروطك فأنا مستعد لتنفيذها . لقد ترددت كثيرا في اماطة النقاب عن (( السر )) فأصبحتِ بدون شك مشتاقة الى تمزيق النقاب عن الشروط . قولي ماذا تريدين ؟ وما هي الضمانات او التعويضات التي ترغبين فيها ؟ انما الشروط شروط . و على المغلوب قبولها و تنفيذها – يكفي العالم مشكلة الروهر .

سنعود غدا الى حديثنا و اما الان فلنصعد الى السطح ونقف امام نجوم الليل هنيهة … قولي لي يا صغيرتي المحبوبة , هل الليل اعمق و اروع من قلب الانسان ؟ وهل مواكب النجوم أهيب و أجمل مما يتمشى في قلب الانسان ؟ و هل في الليل او بين النجوم شيء أقدس من هذه الشعلة البيضاء …؟

جبران

مساء الاحد

نيويورك 2 كانون الاول الساعة العاشرة

*****

انما (( النبي )) يا ميّ اول حرف من كلمة .. توهمت في الماضي ان هذه الكلمة لي و فيّ و مني , لذلك لم استطع تهجئة اول حرف من حروفها , وكان عدم استطاعتي سبب مرضي , بل وكان سبب ألم و حرقة في روحي . وبعد ذلك شاء الله و فتح عينيّ فرأيت النور , ثم شاء الله و فتح اذنيّ فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الاول , شاء الله و فتح شفتيّ فرددت لفظ الحرف : رددته مبتهجا فرحا لأنني عرفت للمرة الاولى أن الناس هم كل شيء و أنني بذاتي المنفصلة لست شيئا . و أنتِ اعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية و الراحة والطمأنينة , انتِ اعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة .

و أنتِ يا مي , انتِ صغيرتي الكبيرة , تساعدينني الآن على الاصغاء الى الحرف الثاني , وسوف تساعدينني على لفظه , و ستكونين معي دائما .

قربي جبهتك يا مريم , قربيها ففي قلبي زهرة بيضاء أريد أن اضعها على جبهتك . ما أعذب المحبة عندما تقف مرتعشة مخجولة امام نفسها .

و الله يبارككِ . الله يحرس صغيرتي المحبوبة , و الله يملأ قلبها بأناشيد الملائكة .

جبران

3 كانون عند منتصف الليل

 

من جُبران إلى مي ( 9 )

 

لا يا ميّ ليس التوتر في اجتماعاتنا الضبابية بل في اجتماعاتنا الكلامية . ما لقيتك في ذلك الحقل البعيد الهاديء الا وجدتكِ الصبية العذبة العطوفة التي تشعر بكل الاشياء و تعرف كل الاشياء وتنظر الى الحياة بنور الله و تغمر الحياة بنور روحها . لكن ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق الا رأيتك و رأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة العقلية المفعمة بالقياسات المحدودة و النتائج المحدودة .

الله يسامحكِ . لقد سلبتني راحة قلبي , ولولا تصلبي وعنادي لسلبتني ايماني . من الغريب أن كون احب الناس الينا اقدرهم على تشويش حياتنا .

يجب الا نتعاتب , يجب ان تفاهم . و لا نستطيع التفاهم الا اذا تحدثنا ببساطة الاطفال . انتِ وانا نميل الى الانشاء بما يلازم الانشاء من المهارة و التفنن و التنميق و الترتيب . قد عرفنا انتِ و انا , ان الصداقة و الانشاء لا يتفقان بسهولة . القلب يا ميّ شيء بسيط و مظاهر القلب عناصر بسيطة , اما الانشاء فمن المركبات الاجتماعية . ما قولكِ في ان نتحول عن الانشاء الى الكلام البسيط ؟

(( انتِ تحيين فيّ وانا احيا فيكِ , انتِ تعلمين ذلك وانا اعلم ذلك ))

و الغريب انني لم اندم بعد ذلك . لا لم اندم بل بقيت متمسكا بحقيقتي راغبا في اظهارها لكِ , فكتبت لكِ مرات عديدة و كنت احصل بعد كل مرة على الجواب اللطيف , ولكن من غير ميّ التي اعرفها . كنت احصل على الجواب اللطيف من كاتمة اسرار ميّ , وهي صبية ذكية تعيش في القاهرة بمصر . ثم ناديت وناجيت , و كنت احصل على نفس الجواب نعم كنت احصل على نفس الجواب و لكن ليس من تلك التي (( احيا فيها و تحيا فيّ )) بل من امرأة متحذرة متشائمة تأخ و تعطي معي كأنها المدعي العمومي و كأنني المدعى عليه .

و هل انا ناقم عليكِ ؟

كلا , لكنني ناقم على كاتمة اسرارك .

و هل حكمت عليكِ حكما عادلا ام غير عادل ؟

كلا , لم احكم ابدا . ان قلبي لا ولن يسمح بايقافك امام منصة القضاء , قلبي لا ولن يسمح لي بالجلوس عليها . ان ما بنا يا ميّ يقصينا عن جميع المحاكم . ولكن لي رأي في كاتمة اسرارك و و هذا :

كلما جلسنا لنتحدث تدخل علينا حضرتها و تجلس قبالتنا كمن يستعد لتدوين وقائع جلسة من جلسات مؤتمر سياسي . أسألك , أسألك يا صديقتي , هل نحن بحاجة الى كتمة اسرار ؟ هذا سؤال مهم . اذا كنتِ حقيقة بحاجة الى كاتمة اسرارك فعليّ اذا ان استدعي كاتم اسراري لأنني انا ايضا اريد تسيير اشغالي على الطراز الاول ! أتريدين كاتم اسراري ان يكون معنا ؟

****


انظري يا ميّ : ههنا طفلان جبلاويان يمشيان في نور الشمس , و هناك اربعة اشخاص امرأة وكاتمة اسرارها و رجل و كاتم اسراره . ههنا طفلان يسيران يدا بيد , يسيران بارادة الله الى حيث يردي الله , وهناك اربعة اشخاص في مكتب يتجادلون و يتحاجون و يقومون ويقعدون وكل منهم يحاول اثبات ما يظنه حقا له على حساب ما يظنه بُطلا في الاخر . ههنا طفلان , وهناك اربعة اشخاص , فالى اية جهة يميل قلبكِ ؟ قولي لي الى اية جهة ؟

(( وماذا انا فاعل هذ المساء )) ؟

ليس الوقت مساء نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فالى أي مكان تريدين ان نذهب في هذ الساعة المتأخرة ؟ الأفضل ان نبقى هنا . في هذه السكينة العذبة . هنا نستطيع ان تشوق حتى يدنينا الشوق من قلب الله . وهنا نستطيع ان نحب البشرية حتى تفتح لنا البشرية قلبها .

هاقد قبّل النعاس عينيك .

لا تنكري أن النعاس قد قبّل عينيكِ . لقد رأيته يقبلهما . قد رأيته يقبلهما هكذا , هكذا كما يقبلون , فألأقي رأسك هنا , الى هذه الجهة و نامي , نامي يا صغيرتي , نامي فأنت في وطنكِ .

أما انا فسوف أسهر , سوف اسهر وحدي . عليّ ان ابقى خافرا حتى الصباح . قد ولدت لأبقى خافرا حتى الصباح .

الله يحرسك . الله يبارك سهري . الله يحرسك دائما .

جبران

نيويورك 5 تشرين الاول 1923

 

من جُبران إلى مي ( 8 )

 


….. ما قرأت لك قطعة الا و شعرت بنمو وتمدد في قلبي , و ما قرأتها ثانية الا و تحولت عمومياتها الى شيء شخصي فأ{ى في الافكار و القوالب ما لم يره سواي , و اقرأ بين السطور سطورا لم تكتب الا لي . انت يا ميّ كنز من كنوز الحياة , وبل واكثر من ذلك – انتِ انت ِ , و اني احمد الله انك من امة انا من ابنائها , و لانك عائشة في زمن اعيش فيه . كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي او في القرن الآتي رفعت يدي و خفقت بها الهواء كمن يريد ان يزيل غيمة من الدخان من امام وجهه !

اتذكرين يا ميّ قولك لي مرة ان صحفيا في بيونس آيرس قد بعث اليك برسالة يطلب فيها رسمك و مقالة من مقالاتك ؟ لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي و في ما يطلبه جميع الصحفيين و كنت في كل مرة اقول متحسرا (( لستُ بصحفيّ ! لستُ بصحفيّ ! لذلك يتعذر عليّ ان اطلب ما يطلبه الصحفييون . لو كنت صاحب مجلة او محرر جريدة لطلبت رسمها بكل حرية , و بدون خجل ,و بدون وجل , و بدون توطئة منسوجة من الالفاظ المرتعشة )) كنت ولم ازل اقول هذا في قلبي , فهل سمع الذين اتخذوا قلبي وطنا لهم ؟

ها قد انتصف الليل و للأن لم اخط الكلمة التي تلفظها شفتي وتلفظها تارة همسا وطورا بصوت عال . اني اضع كلمتي في قلب السكينة تحتفظ على كل ما نريد قوله بحنوّ و حرقة وايمان . و السكينة يا ميّ تحمل صلاتنا الى حيث نردي او ترفعها الى الله .

انا ذاهب الى فراشي . و سوف انام الليلة طويلا . وسوف اول لكِ في الحلم ما لم اخطه على هذه الورقة . مساء الخير يا مي ّ . الله يحرسك .

جبران



****


يا ميّ يا صديقتي

ما أجمل هذه الصورة . ما اجمل و ما احلى هذه (( البُنيّة )) و ما اوضح دلائل الذكاء في عينيها و امارات الاختبار النفسي في معانيها . لا . لم ار في حياتي وجه صغير مثل هذا الوجه فلو تفرسته سنة 1904 لقلت مقررا (( ان وراء هذه الجبهة قوة غريبة ستظهرها الايام , وراء هذا الثغر اغنية سترتلها الليالي )) .

ما اجمل هذه الصورة يا ميّ وما اسعدني بها . لماذا يا ترى لم احصل عليها قبل اليوم ولماذا لم احصل على غيرها من الصور ؟ هل كان عدم حصولي على ما اتمناه مظهرا من مظاهر القضاء والقدر او العدل الخفي او ناموس من النواميس ؟ ان في عينيّ جوعا و عطشا الى الصور امثال هذه فأي متى تشبع عيناي و اي متى ترتوي ؟


***


 

من جُبران إلى مي ( 7 )

 


إذاً قومي يا رفيقتي , قومي نصعد إلى السطح لنرقب ما في عيون الملائكة من جمال الاستغراب و العطف والمعرفة . أقول يا سيدتي إن حياة الرجل تظل صحراء خالية إلا من الرمال حتى يمن الله عليه بابنةٍ مثل أميرتي الصغيرة . و أقول يا سيدتي أن من ليس له إبنة فليتبن أبنة لأن أسرار الأيام و معانيها تختبيء في قلوب الصغيرات .

و أنا أدعو ابنتي (( بالأميرة )) لأن حركاتها , و سكناتها , نغمة صوتها , وابتسامتها , والعابها , و اختراعاتها , بل وكل شيء فيها يدل على

(( الأمارة )) – و هي مستبدة ولها اراء خصوصية لا يستطيع أحد من البشر تغييرها أو تحويرها – و لكن ما أعذب وأطيب استبدادها و حكمها المطلق .

هذه رسالة قصيرة – قصيرة جدا – و لكنها اول رسالة اكتبها منذ خمسة اسابيع . فهلا قرأتِ فيها ما ليس بالمخطوط ؟ سوف اكتب اليك ثانية عندما انهض من فراشي . ان الربيع سيأخذ بساعدي و ينتشلني من بين هذه اللحف و يسيرني وراءه الى الاماكن الخضراء حيث تجدد الحياة عزم ابنائه و تبدّل همسهم و أنفاسهم المتقطعة بالأغاني و التهاليل .

أرجوك يا صديقتي يا ميّ , الا تسخطي عليّ – استعطفك الا تسخطي عليّ باركيني قليلا فأنا اباركك دائما .

جبران



****



….. ما قرأت لك قطعة الا و شعرت بنمو وتمدد في قلبي , و ما قرأتها ثانية الا و تحولت عمومياتها الى شيء شخصي فأ{ى في الافكار و القوالب ما لم يره سواي , و اقرأ بين السطور سطورا لم تكتب الا لي . انت يا ميّ كنز من كنوز الحياة , وبل واكثر من ذلك – انتِ انت ِ , و اني احمد الله انك من امة انا من ابنائها , و لانك عائشة في زمن اعيش فيه . كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي او في القرن الآتي رفعت يدي و خفقت بها الهواء كمن يريد ان يزيل غيمة من الدخان من امام وجهه !

اتذكرين يا ميّ قولك لي مرة ان صحفيا في بيونس آيرس قد بعث اليك برسالة يطلب فيها رسمك و مقالة من مقالاتك ؟ لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي و في ما يطلبه جميع الصحفيين و كنت في كل مرة اقول متحسرا (( لستُ بصحفيّ ! لستُ بصحفيّ ! لذلك يتعذر عليّ ان اطلب ما يطلبه الصحفييون . لو كنت صاحب مجلة او محرر جريدة لطلبت رسمها بكل حرية , و بدون خجل ,و بدون وجل , و بدون توطئة منسوجة من الالفاظ المرتعشة )) كنت ولم ازل اقول هذا في قلبي , فهل سمع الذين اتخذوا قلبي وطنا لهم ؟

ها قد انتصف الليل و للأن لم اخط الكلمة التي تلفظها شفتي وتلفظها تارة همسا وطورا بصوت عال . اني اضع كلمتي في قلب السكينة تحتفظ على كل ما نريد قوله بحنوّ و حرقة وايمان . و السكينة يا ميّ تحمل صلاتنا الى حيث نردي او ترفعها الى الله .

انا ذاهب الى فراشي . و سوف انام الليلة طويلا . وسوف اول لكِ في الحلم ما لم اخطه على هذه الورقة . مساء الخير يا مي ّ . الله يحرسك .

جبران

 

من جُبران إلى مي ( 6 )

 

أخبريني , أخبريني يا صديقتي , أفي هذا العالم من يقدر و يريد أن يقول لي (( أنا ضباب اخر ايها الضباب , فتعال نخيّم على الجبال و في الاودية . تعال نسير بين الاشحار وفوقها , تعال نغمر الضخور المتعالية . تعال ندخل معا الى قلوب المخلوقات وخلاياها , تعال نطوف في تلك الاماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة )) . و قولي لي يا ميّ , ايوجد في ربوعكم من يريد ويقدر ان يقول ولو كلمة واحدة من هذ الكلمات ؟

وانتِ تريدين ان ابتسم “واعفو ” .

لقد ابتسمت كثيرا منذ هذا الصباح , وها انا ابتسم في اعماقي , وابتسم في كليتي , وابتسم طويلا , و ابتسم كأني لم اخلق الا للابتسام .

اما ” العفو ” فكلمة هائلة فتاكة جارحة اوقفتني مخجولا متهيبا امام الروح النبيلة التي تتواضع الى هذا الحد , وجعلتني احني رأسي طالبا منها العفو . انا وحدي المسيء . قد اسأت في سكوتي و في قنوطي لذلك استعطفك ان تغتفري ما فرط مني وتسامحيني .

جبران

نيويورك

3 تشرين الثاني 1920

 
free counters

(( كيس )) .. بس مظلوم

 

رغم علمي بأن طرداً سيصلني إلا أني حين تلقيت الإتصال و إخبرتني موظفة مكتب الشحن بوجود (( كيس )) لي من جبلة
شعرت أنها مزحة أو مقلب من صديقة فقد مررت بموقف مشابه وكان دعابة سريعة …
توجهت أولاً  لإنها امر ما  ثم تابعت نحو مكتب الشحن
سلمني الموظف (( الكيس )) بسرعة وغادرت ..
لم تكن الموظفة  منصفة حين قالت (( كيس )) كان أكبر من كيس و أكبر من أن يتسع لمجموعة دي فيديز (( متل ما قالت لولو )) !!!
و ضعت (( الكيس )) المزعوم المظلوم  في حقيبة الظهر و أكملت مشواري لم أستعجل العودة للمنزل لرؤية ما به رغم أن فضولي و فرحتي كبيرة
فضول لأعرف ما هي تكل الافلام التي خصتني بها الجميلة لولو وفرحة لانها المرة الأولى التي اتلقى بها هدية بهذه الطريقة وهذه الظروف !
لم يكن بي برود أو لا مبالاة فكم الحماس الذي أتمتع به((  بيتوزع على جيش عرمرم بيقدر يحرر كوكب الأرض :) )).. لكنها الرغبة بالإحتفاظ بعنصر المفاجأة والفرحة أكبر فترة مممكنة ..
ألم يفكر أحدكم أن يؤجل فتح رسالة أو هدية أكبر فترة ممكنة ليحتفظ بهذا العنصر الجميل : الفرحة والمفاجأة _ هذا ما أفعله مع بعض الرسائل والهدايا(( فيس عم يغمز )) -
كانت فرحتي ملاصقة لي  (( في الباك باج )) و اللهفة لفتحها لا تفارقني أشد بيدي على حقيبة ظهري كل حين و أتحسس (( الكيس ))
و أخيراً وصلت إلى البيت   و أخرجت (( الكيس )) من الباك باج  :



ممممم لابد من إحضار المقص :




و :



لوني المفضل .. الأزرق ودرجاته !
من أخبر لوليتي به ؟
فنانتي المفضلة جوليا روبرتس !!
الأغاني المفضلة !!
و …. كان بين تلك الأشياء وجه لولو (( لجين )) وتهيأ لي أن رائحة عطرها كانت تفوح
(( لوليتي)) صدقاً ألجمت الفرحة والدهشة لساني
أعدتني سنوات وسنوات إلى الوراء ..  وددت لو أغلق الهدية و أفتحها عشرات  المرات
لأعيد مشاعر اللهفة والفرحة والدهشة بهذا (( الكيس ))
لم تكن مجرد هدية أو أفلام و بطلة أحبها أو أغاني تعجبني
كانت أشياء كثيرة مجتمعة في (( كيس )) مزعوم مظلوم
كان يفترض بالموظفة ان تقول لي أنه (( كونتينير )) به الكثير من الفرحة و المحبة
به خيط رفيع متين من المحبة والود  بين الشام وجبلة به مشاعر رقيقة لصبية جبلاوية

تلقيت هديتها قبل أن يقدر الله لي أن ألتقيها

إمتناني الكبير لكِ

لُجين

دمشق 25 / 7 / 2010

 

… ماذا بعد ؟

 

كانت البداية منتديات و صاحَب بعض تلك المنتديات شات خاص بها
أيضا كان هناك غرف دردشة هابطة و أُخرى راقية و أخرى متل الحمام المقطوعة ميتو
و بالطبع كان عمو مسنجر بنوعيه هوتميل وياهو .. و لحق به فورا الأوديجو
إختفى الأوديجو و بقي المسنجر صامداً …
و ظهرت بعد فترة روابط راسلني في تواقيع الأعضاء و روابط الفليكر
و الديفيانت و لكن بخجل شديد ..
و استبدل البعض تلك الروابط بالمدونات : ذلك العالم الخاص الشخص الجميل ..
خفت بريق المنتديات وغرف الشاتبأنواعها بعد سطوع نجمي اليوتيوب و الفيس بوك
وما به من حرية كبيرة ميزات كثيرة :
مدونة صور فانز شات دردشة .. كل سبل التواصل
و احتل الفيس بوك المرتبه الأولى على حساب اليوتيوب و بقي المسن صامداً
رغم ظهور منافس جديد (( السكايبي ))
إلا ان نجمه افل لدي الكثيرين لعدم خصوصيته و ربما كونه موجه لفئة معينة
لها أهداف اخرى غير الثقافة والسخافة والخناقات …
تطورت المنتديات و أصبحت ملفات الأعضاء تجمع الكثير من ميزات الفيس و المدونة ومعارض الصور …
و أخيرا ظهر الفورم سبرينج .. عالم اخر جميل / قبيح …و سيلة اخرى للتواصل و التنافر والتناحر كمان …
ولا يزال المسنجر صامداً حتى الأن …
ترى ما الجديد القادم ….؟!



بمناسبة :
قرب مرور 10 أعوام على دخولي عالم النت
يعدمني ياه ..و يؤبش قلبي في آن معاً


هامش :
أجزم أن مبتكري ومصممي تلك المواقع ما ابتكروها إلا للتواصل بين الناس
و لتقريب وجهات النظر بينهم و للتعارف و نقل الأفكار …و للتسلية أيضا
و اتخذها الكثيرون للتناحر والخلاف و الإختلاف و إرتداء المزيد من الأقنعة..

 

من جُبران إلى مي ( 14 ) الأخيرة

 

ماري , يا صديقتي العزيزة .

عرفت اليوم ان والدكِ قد ذهب الى ما وراء الأفق الذهبي

و أنه قد بلغ المحجة التي يقصدها الناس كلهم ,

فماذا يا ترى أقول لكِ ؟ أنت يا ماري أبعد فكرا وسمعاً

من تلك الألفاظ التي يقولها الناس معزّين مواسيّن .

و لكن في قلبي الرغبة والشوق الى الوقوف امامك

و في قلبي الحنين الى ضمّ يدكِ بيديّ صامتا شاعرا ً

بكل ما يغمر روحكِ الحلوة على قدر ما يستطيع القريب الغريب ان يشعر بما تشعرين .

و الله يباركك يا ماري و الله يحرسك كل يوم وكل ليلة .

والله يحفظكِ لصديقكِ .


جبران


نيويورك 10 كانون الاول

1929

انتهت …

فيما كنت أقرأ الكتاب شعرت بكل كلمة في رسائل جبران … كل حزن , فرح , دمعة او بسمة …

لم تكن مجرد رسائل كانت مشاعر حية …

توقف عذب كلام جبران عذب رسائله اليها و الينا وكان ذلك بتاريخ 26 اذار 1931

فقد كان رسم ليد تحمل شعلة هو اخر ما ارسله لها…

ولكن بقيت شعلتهما الزرقاء خالدة فيها …لم تنطفئ ابداً كما أرادا لها ..

كل الشكر لمن ساعدني في التعرف الى هذا الكتاب …

شــShamــام

 

من جُبران إلى مي ( 13 )

 

لنعد الآن الى حال عينيك . كيف حال عينيك يا ماري ؟ أنت تعلمين , أنت تعلمين بقلبك ان حال عينيك يهمني الى درجة قصوى . و كيف تسألين هذا السؤال و أنتِ تشاهدين بعينك ما وراء الحجاب . أنت تعلمين ان القلب البشري لا يخضع الى نواميس القياسات و المسافات و ان اعمق و أقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم اليها و نجد في الأستسلام لذة و راحة و طمأنينة مع اننا , مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها او تحليلها . يكفي انها عاطفة عميقة قوية قدسية . فلم السؤال ولم الشك ؟ و من منا يا ماري يستطيع ان يترجم لغة العالم الخفي الى لغة العالم الظاهر ؟ من منا يستطيع أن يقول (( في روحي شعلة بيضاء اما أسبابها فكذا وكذا , وأما معناها فكذا وكذا , وأما نتائجها فكذا وكذا )) ؟ كفى المرء ان يقول لنفسه (( في روحي شعلة بيضاء )) . قد سألت عن عينيكِ يا ماري لأنني كثير الأهتمام بعينيك لأنني أحب نورهما , وأحب النظرات البعيدة فيهما , و أحب خيالات الأحلام المتموجة حولهما . ولكن اهتمامي بعينيك لا يدل على أنني قليل الاهتمام بجبهتك وأصابعكِ . الله يبارككِ يا ماري المحبوبة , ويبارك عينيكِ و جبهتكِ و أصابعكِ والله يحفظكِ دائما .

جبران

نيويورك 23 اذار1925


****

ما قولك في رجل يستيقظ من غفلته صباحا فيجد الى جانب فراشه (( رسالة )) من صديقة يحبّها فيقول بصوت عال (( صباح الخير )) , أهلا وسهلا ثم يفتح (( الرسالة )) بلجاجة العطشان – فماذا يجد ؟ لا أكثر و لا أقل من قصيدة لشوقي بك !

لا بأس – سوف أبحث لإأحصل على قصدية طويلة ممتعة لناسج بردها حليم أفندي دموس فأشرحها شرحا كافيا وافيا و أبعث بها اليك ! (( وأخذ الثار مُش معيار )) لو جاءت قصيدة شوقي بك في أول نيسان لاستظرفت النكتة و قلت في سرّي : (( ما احسنها صبية , وما أعرفها بأحوال البريد الدولي )) , و لكن القصيدة جاءت في أول شهر أيار , شهر الورود , فماذا يا ترى أفعل سوى أن أعض شفتي ( هكذا يفعل بعض الرجال في حالة الغضب ) حانقا مفعما فضاء منزلي بالضجيج .

أجل , سوف ادرس فلسفة (( سن بسن و عين بعين )) فأبعث اليك بكل ما تتكرم به قرائح أمراء الشعر العربي .

أسألك الآن – كيف أستطيع أن أصرف ما بقي من هذا النهار كما يجب ان أصرفه قبل أن اغفر لك و أسامحك ؟ ان قصيدة أمير شعرائكم قد ألقت حفنة من التراب في فمي , وعليّ أن أغسل الطعمة بعشرين فنجان من القهوة و بعشرين سيجارة , بل وعلي أن أقرأ عشرين قصيدة لكيتس و شالي و بليك , وقصيدة واحدة لمجنون ليلى !!

و بالرغم من كل شيء , افتحي كفّك . . كذا , كذا كما يفعلون ..

جبران

نيويورك أيار 1927


 

عن الحزن

 

- أعمق الحزن حزنُ بلا دموع


- إن الدموع مطافيء الحزن الكبير



- الصبر أفضل علاج للحزن


- القلب المملوء حزناً كالكأس الطافحة يصعب حمله

***


- أشد ُ الأحزان إذا  تذكر الإنسان أفراحهُ وقت أتراحه

دانتي


- أمرُ ما في أحزان ِ يومنا ذكرى أتراح أمسِنا

جبران


-الحُزن كالكنز الكبير لا نفتحه ُ إلا أمام أصدقائنا الحميمين

مثل شعبي


- و إني رأيتُ الحزن للحزنِ ماحياً كأنما

خُط في القرطاسِ سطرٌ على سطرٍ

- يُسري عن الإنسان إن بث حزنهُ

و يرتاح ُ للشكوى لمن يعشق ُ

حفني ناصف


- رأيتً الدهر مختلفاً يدور ً

فلا حزنُ يدوم ولا سرورُ

و قد بنت الملوك فيه قصوراً

فلم تبق الملوك ولا القصور

الإمام علي كّرم الله وجهه


الكثير  من الإبداع يخرج من رحم الأحزان


من رحم الحزن كُتبت قصائد و روايات و أغاني

من صوت الناي الحزين تولد أجمل الألحان

من رحم الأحزان تخرج بعض الأفراح وربما الكثير منها

أجمل/ أرقى  الإبتسامات تلك المرسومة في عيون حزينة

أجمل/ أرقى الضحكات تلك التي تخرج من صوت حزين


شام


* * *


http://www.youtube.com/watch?v=OBynladooXw&feature


 

* عـمّـــــار *

 

*

كان سؤاله عما تعنيه لي الشام أول تقاطع لي مع عمّار على النت

بعد هذا السؤال بدأت أشعر أني أعرف عمّار من زمان كتير …

ترى هل كان عمار يعرف ان الحديث عن الشام هو  بوابة كبيرة لروحي ؟؟؟!

… وهل يعرف كما يعرف كل من يعرفني إني عاشقتها للنخاع  / للجنون؟!


*

*

هل تعرف عمّار أن النسمة الدمشقية في رسالتك هذه

قد وصلتني منعشة برائحة الياسمين؟؟؟

نعم وصلت يا عمّار

.. غمضت عيوني ورحت للمهاجرين مشيت بالسكة

كانت الدنيا ليل والنسمة الباردة وصلتني مع ريحة الياسمين

و دمعت …

*

*

لما فكرت بهالموضوع خطرت ببالي فيروز بغنية ( نسم علينا الهوا )

هالغنية كتير بتعنيلي و  عمار الصديق البعيد ما عاد مجرد صديق

فاجأني بأحلى هدية .. مقطع لبردى وهو معبى مي

*

http://www.youtube.com/watch?v=q7Shgfb16kE

عمّار صار متل نسمة غنية فيروز بتحمل معها الياسمين و بتجيبلي البشاير من بلادي

و متل الحمام الزاجل   يللي بيحمل دائما الأخبار الحلوة من أرض الياسمين ..

عمّار نموذج مشرف جداً لأبناء بلدي الذي لطالما توسمت بهم خيراً

الله يحميك(( عمّار  ))  و يبعتلك أحلى الأيام ولكل بلدي وأهل بلدي

***

http://www.youtube.com/watch?v=TUbQcxsJwWQ&feature

 

مِن جُبران إلى مي ( 12 )

 

تقولين لي انك تخافين الحب . لماذا تخافينه يا صغيرتي ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مد البحر ؟أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لما يا ترى تخافين الحب ؟

انا اعلم ان القليل في الحب لا يرضيك , كما أعلم ان القليل في الحب لا يرضيني . أنت و أنا لا ولن نرضى بالقليل . نحن نريد الكثير . نحن نردي كل شيء . نحن نردي الكمال . أقول يا ماري ان في الأرادة الحصول , فاذا كانت ارادتنا ظلا من أظلال الله فسوف نحصل بدون شك على نور من انوار الله .

لا تخافي الحب يا ماري , لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي , علينا ان نستسلم اليه رغم ما فيه من الألم و الحنين و الوحشة و رغم ما فيه من الالتباس و الحيرة .

اسمعي يا ماري : أنا اليوم في سجن من الرغائب . وقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت . و أنا اليوم مقّيد بقيود فكرة قديمة , قديمة كفصول السنة , فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج الى نور النهار , و هل تقفين الى جانبي حتى تنكسر هذ القيود فنسير حرّين طليقين نحو قمة جبلنا ؟

و الآن قربي جبهتكِ . قربي جبهتكِ الحلوة – كذا , كذا . و الله يباركك و الله يحرسكِ يا رفيقة قلبي الحبيبة .

نيويورك 26 شباط 1924


جبران


****


ما أعذب صغيرتي المحبوبة تذكرني في صلاتها كل يوم . ما أعذبها و ما أكبر قلبها وما أجمل روحها .

ولكن ما أغرب سكوت صغيرتي المحبوبة , ما أغرب سكوتها . ذلك السكوت الطويل كالأبدية العميق كأحلام الآلهة – ذلك السكوت الذي لا يترجم الى أية لغة بشرية . ألا تذكرين أنه لما جاء دورك في الكتابة لم تكتبي ؟ أو لا تذكرين أننا تعاهدنا على معانقة الصلح و السلام قبل أن يعانق الليل الارض ؟

وأنتِ تسألين عن حالي , وعن (( خاطري )) , و عن الأمور التي تشغلني , اما حالي فهو مثل حالكِ تماما يا ماري . أما خاطري فلم يزل في الضباب حيث اجتمعنا – أنت و أنا – منذ الف سنة . أما الامور التي تشغلتي في هذه الأيام فهي من الامور المضطربة المشوشة , تلك الامور التي لا بد لمن كان مثلي من اجتيازها , رغب فيها , او لم يرغب .

الحياة يا مريم أغنية جميلة , فبعضنا يجيء نبيرة في تلك الاغنية و بعضنا يجيء قرارا . ويبدو لي يا مريم أنني لست بالنبرة و لست بالقرار . يبدو لي انني لم ازل في الضباب , في ذلك الضباب الذي جمعنا منذ الف سنة .

……………………

…………………..

هذا كل ما أعرفه الأن عن (( أنا )) فلنعد ان شئت الى موضوعنا المهم , لنعد الى حبيبتنا الحلوة : كيف حالك و كيف حال عينيكِ ؟ وهل انت سعيدة في القاهرة مثلما انا سعيد في نيويورك ؟ وهل تمشين ذهابا و ايابا في غرفتك بعد منتصف الليل ؟ و هل تقفين بجانب نافذتك بين الأونة و الأخرى و تنظرين الى النجوم ؟ وهل تلجأين بعد ذلك الى فراشك , و هل تجففين ايتسامات ذائبة في عينيك بطرف لحافك – هل أنت سعيدة في القاهرة مثلما انا سعيد في نيويورك ؟

أفكر فيكِ يا ماري كل يوم وكل ليلة , افكر فيكِ دائما و في كل فكر شيء من اللذة و شيء من الألم . و الغريب أنني ما فكرت فيكِ يا مريم الا وقلت لك في سري (( تعالي واسكبي جميع همومك هناو هنا على صدري )) و في بعض الاحيان اناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الأباء المحبين والأمهات الحنونات .

و ها أني اضعقبلة في راحة يمينكِ و قبلة ثانية في راحة شمالك , طالبا من الله ان يحرسك و يبارككِ و يملأ قلبك بأنواره , وان يبقيكِ أحب الناس الي

جبران

9 كانون الاول 1924

*****

يا ماري – كنت في السادس من هذا الشهر أفكر فيكِ كل دقيقة بك كل لحظة , وكنت أترجم كل ما يقوله لي القوم الى لغة ماري وجبران – وتلك اللغة لا يفهمها من سكان هذا العالم سوى ماري وجبران .. و انت تعليمين طبعا أن كل يوم من أيام السنة هو يوم مولد كل واحد منا .

ان الأماركيين ارغب شعوب الأرض في التعييد و في ارسال الهدايا و الحصول عليها . و لسر خفي عني يعطف الأماركيون علي خلال هذه المواسم , و في السادس من هذا الشهر أوقعتني شدة عطفهم مخجولا امام نفسي مغفورا بعرفان الجميل . ولكن يعلم الله ان الكلمة الحلوة التي جاءتني منكِ كان أحب لديَ و أثمن عندي من كل ما يستطيع الناس جميعهم أن يفلوا أمامي . الله يعلم ذلك , وقلبك يعلم .

و بعد التعييد جلسنا و أنت و أنا , بعيدين الا عما بناو تحدثنا طويلا و وقلنا ما لا يقوله سوى الحنين , و قلنا ما لا يقوله سوى الأمل . ثم حدقنا بنجم بعيد و سكتنا . ثم عدنا الى الكلام فتحدثنا حتى الفجر . وكانت يدكِ المحبوبة فوق هذا المكان الدقاق حتى الفجر .

و الله يرعاكِ و يحرسك يا مريم . و الله يسكب انوراه عليكِ . والله يحفظكِ لمحبك .

جبران

نيويورك 12 كانون الثاني 1925

 

من ميّ الى جُبران …

 

*

*

*

… جبران ! لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب . ان الذين لا يتاجرون بمظهر من مظاهر الحب ودعواه في المراقص و الاجتماعات ينمّي الحب في اعماقهم قوة ديناميكية رهيبة قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الألا السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف ضغط العواطف التي لم تنفجر , و لكنهم يغبطون الاخرين على راحتهم دون ان يتمنوها لنفوسهم , و يفضلون وحدتهم , و يفضلون السكوت , و يفضلون تضليل قلوبهم عن ودائعها , والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة . يفضلون اي غربة , و اي شقاء ( وهل من شقاء و غربة في غير وحدة القلب ؟ ) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة .

ما معنى هذا الذي اكتبه ؟ اني لا اعرف ماذا اعني به , و لكني اعرف أنك محبوبي , و أني اخاف الحب . أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير . الجفاف و القحط و اللاشيء بالحب خير من الزر اليسير . كيف أجسر على الأفضاء اليك بهذا . و كيف افرّط فيه ؟ لا أدري . الحمد لله أنني أكتبه على الورق و لا أتلفظ به , لأنك لو كنت الأن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام , و لأختفيت زمنا طويلا , فما أدعك تراني الابعد ان تنسى .

… حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا لأني بها حرة كل هذه الحرية … أتذكر قول القدماء من الشرقيين : أنه خير للبنت أن لا تقرأ و لا تكتب . ان القديس توما يظهر هنا . وليس ما أبدي هنا أثر للوراثة فحسب , بل هو شيء ابعد من الوراثة . ما هو ؟ قل لي انت ما هو . وقل لي ما اذا كنت على ضلال او هدى فاني اثق بك , و اصدق بالبداهة كل ما تقول ! وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فان قلبي يسير اليك , و خير ما يفعل هو ان يظل حائما حواليك , يحرسك و يحنو عليك .

… غابت الشمس و راء الأفق , و من خلال السحب العجيبة الأشكال و الألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة , آلهة الحب . أتُرى يسكنها كأرضنا بشر يحبون و يتشوقون ؟ ربما وجد فيها من هي مثلي , لها جبران واحد , حلو بعيد هو القريب القريب , تكتب اليه الآن و الشفق يملأ الفضاء , و تعلم ان الظلام يخلف الشفق , وان النور يتبع الظلام , وان الليل سيخلف النهار , والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل ان ترى الذي تحبه , فتتسرب اليها كل وحشة الشفق , وكل وحشة الليل , فتلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد : جبران !

ماري زيادة

15 / 1 / 1924

 

من جُبران إلى مي ( 11 )

 


كان هذا الوادي في الصيف الغابر يذكرني بأودية لبنان الشمالية .

لا , لا اعرف عيشا اهنأ من عيش الأودية . و أحب الأودية يا ماري في الشتاء , ونحن امام موقد , ورائحة عود السرو المحروق تملأ البيت , و السماءتنثر الثلوج خارجا , والريح تتلاعب بها , وقناديل الجليد مدلاة وراء زجاج النوافذ , وصوت النهر البعيد و صوت العاصفة البيضاء يتآلفان في مسامعنا ..

و لكن اذا لم تكوني صغيرتي المحبوبة قريبة مني فلا كان الوادي و ولا الثلج , ولا رائحة عود السرو , و لا بلّور قناديل الجليد و لا أنشودة النهر , ولا هيبة العاصفة .. بعدا (( لها كلها )) اذا كانت صغيرتي المباركة بعيدة عنها وعني .

و أسعد الله مساء الوجه الحلو المحبوب .

جبران

نيويورك 31 كانون الاول 1923

 

حضن مجاني

 

أعلنت امرأة كندية عزمها على مواصلة معانقة كل الذين تصادفهم في شوارع مدينة تورنتو، وللسنة الثالثة على التوالي من دون أي مقابل، “لأن الكثير من الناس يحتاجونه”.
وقالت تانيا نيومير ( 26 سنة)، التي بدأت الأحد الماضي بعناق المارة مع أخيها الأكبر إيان:بعض الناس يبتسمون ويكملون طريقهم، فيما البعض الآخر يأتي راكضا لأنه يحب العناق».
وحملت تانيا وشقيقها إيان وبعض أصدقائهما لافتة كتب عليها “عناق مجاني”، مما أدهش بعض المارة وخلق جوا من الراحة لأشخاص آخرين.
إلى ذلك، قالت لويز كولين (54 سنة): إن هذا يجعل يومك سعيدا.. يجب أن يكون هناك أشخاص آخرون يفعلون ذلك أيضا.
من جانبها، قالت تانيا إنها استلهمت هذه الفكرة من مجموعة تطلق على نفسها “أعمالنا تدل علينا”، ومن الكتاب الذي وضعته وهو بعنوان “غير العالم من أجل 10دولارات: 50 عملا من أجل تغيير العالم”.
وعن عناقها للمارة في شهر شباط/فبراير قالت تانيا “قد يكون هذا الشهر الأقصر في السنة ولكنه الجزء الأطول من الشتاء”، مضيفة “لهذا السبب فإن كثيرين بحاجة للعناق …

من بريدي والمرسل أضاف :
المهم والسؤال يللي بيطرح نفسو
ما بدها تزور سوريا !

و أجيبه الله لا يقدر ..

بغض النظر عن صحة الخبر – و لو انه غير مستبعد أبداً أبداً _ فكرت لو فرضاً

صادفت هذه السيدة هل سأبادر لحضنها وجعله تحضنني !!!

و أول جواب خطر ببالي هو :

لا

و لعدة أسباب أولها أنه قد سبقني 15 على الأقل و حضنوها

و بينهم 3 على الأقل خرجوا من المنزل دون أن يستحموا

و 2 ربما ريحتهون بصل وتوم  هادا لو ما كان في واحد على

الأقل دوبو طالع من شي خمارة إضافة لرائحة السجائر.. الخ

السبب الثاني و لا يقل اهمية عن الأول هو :

أنها تقوم بحسب الخبر بهذا العمل بدافع الشفقة و التعاطف

مهما حاولنا تجميل الكلمة و إلباسها ثوب اخر لتلطيفها

و السبب الأهم هو لن أقبل حضن من لا أعرف بدافع شفقته

هذا الحضن وإن كان مجاني فهو خالٍ تماما من المشاعر

هو مجرد عمل تؤديه صاحبته ..

أبشع الأعمال تلك التي نقوم بها من أجل الواجب بدون دافع
عاطفي بدون مشاعر و إحساس بالأخر نقوم بها لأجل الواجب

أو المال أو المصلحة و أسباب أخرى كتير غير نبيلة ربما ..

احتاروا الناس بشو يتبرعوا بالدم والا الأعضاء والا اللحم !!
يمكن بشان هيك كترانة حالات تشوهالأجنة !!!


ما علينا

شخبطة صباحية

 

من جُبران إلى مي ( 10 )

 

ما أعذب رسالتك في قلبي . ما احلاها في قلبي يا ميّ .

ذهبت الى البريةمنذ خمسة ايام , ولقد صرفت الأيام الخمسة موّدعا الخريف الذي احبه , و رجعت الى هذا (( الوادي )) منذ ساعتين , رجعت مثلّجا و مجلّدا , ذلك لأنني قطعت مسافة اطول من تلك المسافة الكائنة بين الناصرة وبشرّي في سيارة مكشوفة .. و لكن .. ولكن رجعت فوجدت رسالتكِ , وجدتها فوق رابية من الرسائل , وانت تعلمين ان جميع الرسائل تضمحل من أمام عينيّ عندما اتناول رسالة من صغيرتي المحبوبة , فجلست و قرأتها مستدفئا بها . ثم ابدلت أثوابي . ثم قرأتها ثانية , ثم ثالثة , ثم قرأتها و لم أقرأ شيئا سواها . و أنا يا مريم لا امزج الشراب القدسي بعصير أخر .

أنت معي في هذه الساعة . انتِ معي يا ميّ , انتِ هنا , هنا , وأنا أحدثكِ ولكن بأكثر من هذه الكلمات , أحدث قلبك الكبير بلغة أكر من هذه اللغة , وأنا اعلم أنك تسمعين , أعلم اننا نتفاهم بجلاء و وضوح , واعلم اننا أقرب من عرش الله في هذه الليلة منا في أيّ قوت من ماضينا .

احمد الله واشكره . احمد الله واشكره , فقد رجع الغريب الى وطنه وعاد المسافر الى بيت أمه وأبيه .

في هذه الدقيقة مرّت بخاطري فكرة جليلة, جليلة جدا فاسمعي يا صغيرتي الحلوة : اذا تخاصمنا ( هذا اذا كان لابد من الخصام ) يجب ان لا نفترق مثلما كان نفعل في الماضي بعد كل معركة . يجب ان نبقى , برغم الخصام , تحت سقف بيت واحد حتى نملّ الخصام فنضحك , او يملّنا الخصام فيذهب هازّا رأسه .

ما قولك في هذا الرأي ؟

انت اقرب الناس الى روحي , وأنتِ اقرب الناس الى قلبي , ونحن لم نتخاصم قط بروحينا او بقلبيان . لم نتخاصم بغير الفكر والفكر شيء مكتسب . شيء نقتبسه من المحيط , من المرئيات , من مآتي الأيام . أما الروح والقلب فقد كانا فينا جوهرين علويين قبل ان نفتكر .

أحب صغيرتي , غير أنني لا ادري بعقلي لماذا احبها , و لا أريد ان ادري بعقلي . يكفي أنني احبها بروحي و قلبي , يكفي انني أسند رأسي الى كتفها كئيبا غريبا مستوحدا فرحا مدهوشا مجذوبا , يكفي أن أسير الى جانبها نحو قمة الجبل وأن أقول لها بين الآونة و الأخرى (( أنتِ رفيقتي , أنتِ رفيقتي )) .

يقولون لي يا ميّ أنني من محبي الناس , و يلومني بعضهم لأنني أحب جميع الناس , نعم , أ؛ب جميع الناس , احبهم بدون انتخاب و بدون غربلة , احبهم كتلة واحدة , أحبهم لأنهم من روح الله ولكن لكل قلب فبلة خاصة , لكل قلب وجهة ذاتية يتحول اليها ساعات انفراده , لكل قلب صومعة يختلي فيها ليجد راحته و تعزيته , لكل قلب قلب يشتاق الى الاتصال ب ليتمتع بما في الحياة من البركة والسلامة او لينسى ما في الحياة من الألم .

شعرت منذ أعوام بأنني وجدت وجهة قلبي , وكان شعوري حقيقة بسيطة واضحة جميلة , لذلك تمرّدت على القديس توما عندما جاء مشكا مستفحصا . وسوف اتمرّد على القديس توما و بنصر القديس توما حتى يتركنا في خلوتنا السماوية مستسلمين الى أيماننا السماوي .

هاقد بلغنا ساعة متأخرة من الليل و لم نقل بعد سوى القليل القليل مما نردي ان نقوله . الافضل ان نتحدث ساكتين حتى الصباح . وعند الصباح ستقف صغيرتي المحبوبة بجانبي أمام أعمالنا الكثيرة . و بعد ذلك , بعد انقضاء النهار ومشاكله , سنعود و نجلس أمام هذا الموقد ونتحدث .

و الأن قرّبي جبهتك , كذا , – والله يبارككِ , والله يحرسكِ .

جبران

نيويورك عند منتصف الليل

بين 1 و 2 كانون الاول 1923

*****

احمد الله واشكره فقد عدنا لنرعى قطيعنا في الوادي الهاديء بعد ان كنا أستاذين في مدرسة ! أحمد الله وأشكره لأن مريم الحلوة تسمعني صامتا مثلما اسمعها صامتة و تفهمني مشغوفا مثلما افهمها عطوفة .

لقد حمدت الله وشكرت النهار و طوله لان مي كانت طول النهار تتكلم و تأخذ بيدي و تعطي بيدي . وكنت طول النهار انظر بعينيها فأرى اللطف في وجوه الناس , و اصغي بأذنيها فأسمع العذوبة في اصواتهم .

و أنت تسألين عن صحتي , و عندما سألين عن صحتي تتحول بنيّتي الى أم كلها حنان . صحتي جيدة جدا . فقد ذهبت تلك العلة تلك العلة وتركتني قويا متحمسا رغم البياض الذي تركته في شعر صدغيّ !

أمامن الأن مسألة مهمة علينا ان نبحث فيها : تذكرين طبعا انك اظهرت لي منذ اسابيع (( سرّا )) هائلا . و تذكرين أنك لم تظهري (( السر )) الا بعد ان اقبل (( شروطك )) . و الغريب انني قبلتها قبل ان اعرفها . فما هي تلك الشروط ؟ تفضلي يا ستي مريم و قولي ما هي شروطك فأنا مستعد لتنفيذها . لقد ترددت كثيرا في اماطة النقاب عن (( السر )) فأصبحتِ بدون شك مشتاقة الى تمزيق النقاب عن الشروط . قولي ماذا تريدين ؟ وما هي الضمانات او التعويضات التي ترغبين فيها ؟ انما الشروط شروط . و على المغلوب قبولها و تنفيذها – يكفي العالم مشكلة الروهر .

سنعود غدا الى حديثنا و اما الان فلنصعد الى السطح ونقف امام نجوم الليل هنيهة … قولي لي يا صغيرتي المحبوبة , هل الليل اعمق و اروع من قلب الانسان ؟ وهل مواكب النجوم أهيب و أجمل مما يتمشى في قلب الانسان ؟ و هل في الليل او بين النجوم شيء أقدس من هذه الشعلة البيضاء …؟

جبران

مساء الاحد

نيويورك 2 كانون الاول الساعة العاشرة

*****

انما (( النبي )) يا ميّ اول حرف من كلمة .. توهمت في الماضي ان هذه الكلمة لي و فيّ و مني , لذلك لم استطع تهجئة اول حرف من حروفها , وكان عدم استطاعتي سبب مرضي , بل وكان سبب ألم و حرقة في روحي . وبعد ذلك شاء الله و فتح عينيّ فرأيت النور , ثم شاء الله و فتح اذنيّ فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الاول , شاء الله و فتح شفتيّ فرددت لفظ الحرف : رددته مبتهجا فرحا لأنني عرفت للمرة الاولى أن الناس هم كل شيء و أنني بذاتي المنفصلة لست شيئا . و أنتِ اعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية و الراحة والطمأنينة , انتِ اعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة .

و أنتِ يا مي , انتِ صغيرتي الكبيرة , تساعدينني الآن على الاصغاء الى الحرف الثاني , وسوف تساعدينني على لفظه , و ستكونين معي دائما .

قربي جبهتك يا مريم , قربيها ففي قلبي زهرة بيضاء أريد أن اضعها على جبهتك . ما أعذب المحبة عندما تقف مرتعشة مخجولة امام نفسها .

و الله يبارككِ . الله يحرس صغيرتي المحبوبة , و الله يملأ قلبها بأناشيد الملائكة .

جبران

3 كانون عند منتصف الليل

 

من جُبران إلى مي ( 9 )

 

لا يا ميّ ليس التوتر في اجتماعاتنا الضبابية بل في اجتماعاتنا الكلامية . ما لقيتك في ذلك الحقل البعيد الهاديء الا وجدتكِ الصبية العذبة العطوفة التي تشعر بكل الاشياء و تعرف كل الاشياء وتنظر الى الحياة بنور الله و تغمر الحياة بنور روحها . لكن ما اجتمعنا بين سواد الحبر وبياض الورق الا رأيتك و رأيتني أرغب الناس في الخصام والمبارزة العقلية المفعمة بالقياسات المحدودة و النتائج المحدودة .

الله يسامحكِ . لقد سلبتني راحة قلبي , ولولا تصلبي وعنادي لسلبتني ايماني . من الغريب أن كون احب الناس الينا اقدرهم على تشويش حياتنا .

يجب الا نتعاتب , يجب ان تفاهم . و لا نستطيع التفاهم الا اذا تحدثنا ببساطة الاطفال . انتِ وانا نميل الى الانشاء بما يلازم الانشاء من المهارة و التفنن و التنميق و الترتيب . قد عرفنا انتِ و انا , ان الصداقة و الانشاء لا يتفقان بسهولة . القلب يا ميّ شيء بسيط و مظاهر القلب عناصر بسيطة , اما الانشاء فمن المركبات الاجتماعية . ما قولكِ في ان نتحول عن الانشاء الى الكلام البسيط ؟

(( انتِ تحيين فيّ وانا احيا فيكِ , انتِ تعلمين ذلك وانا اعلم ذلك ))

و الغريب انني لم اندم بعد ذلك . لا لم اندم بل بقيت متمسكا بحقيقتي راغبا في اظهارها لكِ , فكتبت لكِ مرات عديدة و كنت احصل بعد كل مرة على الجواب اللطيف , ولكن من غير ميّ التي اعرفها . كنت احصل على الجواب اللطيف من كاتمة اسرار ميّ , وهي صبية ذكية تعيش في القاهرة بمصر . ثم ناديت وناجيت , و كنت احصل على نفس الجواب نعم كنت احصل على نفس الجواب و لكن ليس من تلك التي (( احيا فيها و تحيا فيّ )) بل من امرأة متحذرة متشائمة تأخ و تعطي معي كأنها المدعي العمومي و كأنني المدعى عليه .

و هل انا ناقم عليكِ ؟

كلا , لكنني ناقم على كاتمة اسرارك .

و هل حكمت عليكِ حكما عادلا ام غير عادل ؟

كلا , لم احكم ابدا . ان قلبي لا ولن يسمح بايقافك امام منصة القضاء , قلبي لا ولن يسمح لي بالجلوس عليها . ان ما بنا يا ميّ يقصينا عن جميع المحاكم . ولكن لي رأي في كاتمة اسرارك و و هذا :

كلما جلسنا لنتحدث تدخل علينا حضرتها و تجلس قبالتنا كمن يستعد لتدوين وقائع جلسة من جلسات مؤتمر سياسي . أسألك , أسألك يا صديقتي , هل نحن بحاجة الى كتمة اسرار ؟ هذا سؤال مهم . اذا كنتِ حقيقة بحاجة الى كاتمة اسرارك فعليّ اذا ان استدعي كاتم اسراري لأنني انا ايضا اريد تسيير اشغالي على الطراز الاول ! أتريدين كاتم اسراري ان يكون معنا ؟

****


انظري يا ميّ : ههنا طفلان جبلاويان يمشيان في نور الشمس , و هناك اربعة اشخاص امرأة وكاتمة اسرارها و رجل و كاتم اسراره . ههنا طفلان يسيران يدا بيد , يسيران بارادة الله الى حيث يردي الله , وهناك اربعة اشخاص في مكتب يتجادلون و يتحاجون و يقومون ويقعدون وكل منهم يحاول اثبات ما يظنه حقا له على حساب ما يظنه بُطلا في الاخر . ههنا طفلان , وهناك اربعة اشخاص , فالى اية جهة يميل قلبكِ ؟ قولي لي الى اية جهة ؟

(( وماذا انا فاعل هذ المساء )) ؟

ليس الوقت مساء نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل فالى أي مكان تريدين ان نذهب في هذ الساعة المتأخرة ؟ الأفضل ان نبقى هنا . في هذه السكينة العذبة . هنا نستطيع ان تشوق حتى يدنينا الشوق من قلب الله . وهنا نستطيع ان نحب البشرية حتى تفتح لنا البشرية قلبها .

هاقد قبّل النعاس عينيك .

لا تنكري أن النعاس قد قبّل عينيكِ . لقد رأيته يقبلهما . قد رأيته يقبلهما هكذا , هكذا كما يقبلون , فألأقي رأسك هنا , الى هذه الجهة و نامي , نامي يا صغيرتي , نامي فأنت في وطنكِ .

أما انا فسوف أسهر , سوف اسهر وحدي . عليّ ان ابقى خافرا حتى الصباح . قد ولدت لأبقى خافرا حتى الصباح .

الله يحرسك . الله يبارك سهري . الله يحرسك دائما .

جبران

نيويورك 5 تشرين الاول 1923

 

من جُبران إلى مي ( 8 )

 


….. ما قرأت لك قطعة الا و شعرت بنمو وتمدد في قلبي , و ما قرأتها ثانية الا و تحولت عمومياتها الى شيء شخصي فأ{ى في الافكار و القوالب ما لم يره سواي , و اقرأ بين السطور سطورا لم تكتب الا لي . انت يا ميّ كنز من كنوز الحياة , وبل واكثر من ذلك – انتِ انت ِ , و اني احمد الله انك من امة انا من ابنائها , و لانك عائشة في زمن اعيش فيه . كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي او في القرن الآتي رفعت يدي و خفقت بها الهواء كمن يريد ان يزيل غيمة من الدخان من امام وجهه !

اتذكرين يا ميّ قولك لي مرة ان صحفيا في بيونس آيرس قد بعث اليك برسالة يطلب فيها رسمك و مقالة من مقالاتك ؟ لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي و في ما يطلبه جميع الصحفيين و كنت في كل مرة اقول متحسرا (( لستُ بصحفيّ ! لستُ بصحفيّ ! لذلك يتعذر عليّ ان اطلب ما يطلبه الصحفييون . لو كنت صاحب مجلة او محرر جريدة لطلبت رسمها بكل حرية , و بدون خجل ,و بدون وجل , و بدون توطئة منسوجة من الالفاظ المرتعشة )) كنت ولم ازل اقول هذا في قلبي , فهل سمع الذين اتخذوا قلبي وطنا لهم ؟

ها قد انتصف الليل و للأن لم اخط الكلمة التي تلفظها شفتي وتلفظها تارة همسا وطورا بصوت عال . اني اضع كلمتي في قلب السكينة تحتفظ على كل ما نريد قوله بحنوّ و حرقة وايمان . و السكينة يا ميّ تحمل صلاتنا الى حيث نردي او ترفعها الى الله .

انا ذاهب الى فراشي . و سوف انام الليلة طويلا . وسوف اول لكِ في الحلم ما لم اخطه على هذه الورقة . مساء الخير يا مي ّ . الله يحرسك .

جبران



****


يا ميّ يا صديقتي

ما أجمل هذه الصورة . ما اجمل و ما احلى هذه (( البُنيّة )) و ما اوضح دلائل الذكاء في عينيها و امارات الاختبار النفسي في معانيها . لا . لم ار في حياتي وجه صغير مثل هذا الوجه فلو تفرسته سنة 1904 لقلت مقررا (( ان وراء هذه الجبهة قوة غريبة ستظهرها الايام , وراء هذا الثغر اغنية سترتلها الليالي )) .

ما اجمل هذه الصورة يا ميّ وما اسعدني بها . لماذا يا ترى لم احصل عليها قبل اليوم ولماذا لم احصل على غيرها من الصور ؟ هل كان عدم حصولي على ما اتمناه مظهرا من مظاهر القضاء والقدر او العدل الخفي او ناموس من النواميس ؟ ان في عينيّ جوعا و عطشا الى الصور امثال هذه فأي متى تشبع عيناي و اي متى ترتوي ؟


***


 

من جُبران إلى مي ( 7 )

 


إذاً قومي يا رفيقتي , قومي نصعد إلى السطح لنرقب ما في عيون الملائكة من جمال الاستغراب و العطف والمعرفة . أقول يا سيدتي إن حياة الرجل تظل صحراء خالية إلا من الرمال حتى يمن الله عليه بابنةٍ مثل أميرتي الصغيرة . و أقول يا سيدتي أن من ليس له إبنة فليتبن أبنة لأن أسرار الأيام و معانيها تختبيء في قلوب الصغيرات .

و أنا أدعو ابنتي (( بالأميرة )) لأن حركاتها , و سكناتها , نغمة صوتها , وابتسامتها , والعابها , و اختراعاتها , بل وكل شيء فيها يدل على

(( الأمارة )) – و هي مستبدة ولها اراء خصوصية لا يستطيع أحد من البشر تغييرها أو تحويرها – و لكن ما أعذب وأطيب استبدادها و حكمها المطلق .

هذه رسالة قصيرة – قصيرة جدا – و لكنها اول رسالة اكتبها منذ خمسة اسابيع . فهلا قرأتِ فيها ما ليس بالمخطوط ؟ سوف اكتب اليك ثانية عندما انهض من فراشي . ان الربيع سيأخذ بساعدي و ينتشلني من بين هذه اللحف و يسيرني وراءه الى الاماكن الخضراء حيث تجدد الحياة عزم ابنائه و تبدّل همسهم و أنفاسهم المتقطعة بالأغاني و التهاليل .

أرجوك يا صديقتي يا ميّ , الا تسخطي عليّ – استعطفك الا تسخطي عليّ باركيني قليلا فأنا اباركك دائما .

جبران



****



….. ما قرأت لك قطعة الا و شعرت بنمو وتمدد في قلبي , و ما قرأتها ثانية الا و تحولت عمومياتها الى شيء شخصي فأ{ى في الافكار و القوالب ما لم يره سواي , و اقرأ بين السطور سطورا لم تكتب الا لي . انت يا ميّ كنز من كنوز الحياة , وبل واكثر من ذلك – انتِ انت ِ , و اني احمد الله انك من امة انا من ابنائها , و لانك عائشة في زمن اعيش فيه . كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي او في القرن الآتي رفعت يدي و خفقت بها الهواء كمن يريد ان يزيل غيمة من الدخان من امام وجهه !

اتذكرين يا ميّ قولك لي مرة ان صحفيا في بيونس آيرس قد بعث اليك برسالة يطلب فيها رسمك و مقالة من مقالاتك ؟ لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي و في ما يطلبه جميع الصحفيين و كنت في كل مرة اقول متحسرا (( لستُ بصحفيّ ! لستُ بصحفيّ ! لذلك يتعذر عليّ ان اطلب ما يطلبه الصحفييون . لو كنت صاحب مجلة او محرر جريدة لطلبت رسمها بكل حرية , و بدون خجل ,و بدون وجل , و بدون توطئة منسوجة من الالفاظ المرتعشة )) كنت ولم ازل اقول هذا في قلبي , فهل سمع الذين اتخذوا قلبي وطنا لهم ؟

ها قد انتصف الليل و للأن لم اخط الكلمة التي تلفظها شفتي وتلفظها تارة همسا وطورا بصوت عال . اني اضع كلمتي في قلب السكينة تحتفظ على كل ما نريد قوله بحنوّ و حرقة وايمان . و السكينة يا ميّ تحمل صلاتنا الى حيث نردي او ترفعها الى الله .

انا ذاهب الى فراشي . و سوف انام الليلة طويلا . وسوف اول لكِ في الحلم ما لم اخطه على هذه الورقة . مساء الخير يا مي ّ . الله يحرسك .

جبران

 

من جُبران إلى مي ( 6 )

 

أخبريني , أخبريني يا صديقتي , أفي هذا العالم من يقدر و يريد أن يقول لي (( أنا ضباب اخر ايها الضباب , فتعال نخيّم على الجبال و في الاودية . تعال نسير بين الاشحار وفوقها , تعال نغمر الضخور المتعالية . تعال ندخل معا الى قلوب المخلوقات وخلاياها , تعال نطوف في تلك الاماكن البعيدة المنيعة الغير معروفة )) . و قولي لي يا ميّ , ايوجد في ربوعكم من يريد ويقدر ان يقول ولو كلمة واحدة من هذ الكلمات ؟

وانتِ تريدين ان ابتسم “واعفو ” .

لقد ابتسمت كثيرا منذ هذا الصباح , وها انا ابتسم في اعماقي , وابتسم في كليتي , وابتسم طويلا , و ابتسم كأني لم اخلق الا للابتسام .

اما ” العفو ” فكلمة هائلة فتاكة جارحة اوقفتني مخجولا متهيبا امام الروح النبيلة التي تتواضع الى هذا الحد , وجعلتني احني رأسي طالبا منها العفو . انا وحدي المسيء . قد اسأت في سكوتي و في قنوطي لذلك استعطفك ان تغتفري ما فرط مني وتسامحيني .

جبران

نيويورك

3 تشرين الثاني 1920

 
Syria Planet