ما أعذب رسالتك في قلبي . ما احلاها في قلبي يا ميّ .
ذهبت الى البريةمنذ خمسة ايام , ولقد صرفت الأيام الخمسة موّدعا الخريف الذي احبه , و رجعت الى هذا (( الوادي )) منذ ساعتين , رجعت مثلّجا و مجلّدا , ذلك لأنني قطعت مسافة اطول من تلك المسافة الكائنة بين الناصرة وبشرّي في سيارة مكشوفة .. و لكن .. ولكن رجعت فوجدت رسالتكِ , وجدتها فوق رابية من الرسائل , وانت تعلمين ان جميع الرسائل تضمحل من أمام عينيّ عندما اتناول رسالة من صغيرتي المحبوبة , فجلست و قرأتها مستدفئا بها . ثم ابدلت أثوابي . ثم قرأتها ثانية , ثم ثالثة , ثم قرأتها و لم أقرأ شيئا سواها . و أنا يا مريم لا امزج الشراب القدسي بعصير أخر .
أنت معي في هذه الساعة . انتِ معي يا ميّ , انتِ هنا , هنا , وأنا أحدثكِ ولكن بأكثر من هذه الكلمات , أحدث قلبك الكبير بلغة أكر من هذه اللغة , وأنا اعلم أنك تسمعين , أعلم اننا نتفاهم بجلاء و وضوح , واعلم اننا أقرب من عرش الله في هذه الليلة منا في أيّ قوت من ماضينا .
احمد الله واشكره . احمد الله واشكره , فقد رجع الغريب الى وطنه وعاد المسافر الى بيت أمه وأبيه .
في هذه الدقيقة مرّت بخاطري فكرة جليلة, جليلة جدا فاسمعي يا صغيرتي الحلوة : اذا تخاصمنا ( هذا اذا كان لابد من الخصام ) يجب ان لا نفترق مثلما كان نفعل في الماضي بعد كل معركة . يجب ان نبقى , برغم الخصام , تحت سقف بيت واحد حتى نملّ الخصام فنضحك , او يملّنا الخصام فيذهب هازّا رأسه .
ما قولك في هذا الرأي ؟
انت اقرب الناس الى روحي , وأنتِ اقرب الناس الى قلبي , ونحن لم نتخاصم قط بروحينا او بقلبيان . لم نتخاصم بغير الفكر والفكر شيء مكتسب . شيء نقتبسه من المحيط , من المرئيات , من مآتي الأيام . أما الروح والقلب فقد كانا فينا جوهرين علويين قبل ان نفتكر .
أحب صغيرتي , غير أنني لا ادري بعقلي لماذا احبها , و لا أريد ان ادري بعقلي . يكفي أنني احبها بروحي و قلبي , يكفي انني أسند رأسي الى كتفها كئيبا غريبا مستوحدا فرحا مدهوشا مجذوبا , يكفي أن أسير الى جانبها نحو قمة الجبل وأن أقول لها بين الآونة و الأخرى (( أنتِ رفيقتي , أنتِ رفيقتي )) .
يقولون لي يا ميّ أنني من محبي الناس , و يلومني بعضهم لأنني أحب جميع الناس , نعم , أ؛ب جميع الناس , احبهم بدون انتخاب و بدون غربلة , احبهم كتلة واحدة , أحبهم لأنهم من روح الله ولكن لكل قلب فبلة خاصة , لكل قلب وجهة ذاتية يتحول اليها ساعات انفراده , لكل قلب صومعة يختلي فيها ليجد راحته و تعزيته , لكل قلب قلب يشتاق الى الاتصال ب ليتمتع بما في الحياة من البركة والسلامة او لينسى ما في الحياة من الألم .
شعرت منذ أعوام بأنني وجدت وجهة قلبي , وكان شعوري حقيقة بسيطة واضحة جميلة , لذلك تمرّدت على القديس توما عندما جاء مشكا مستفحصا . وسوف اتمرّد على القديس توما و بنصر القديس توما حتى يتركنا في خلوتنا السماوية مستسلمين الى أيماننا السماوي .
هاقد بلغنا ساعة متأخرة من الليل و لم نقل بعد سوى القليل القليل مما نردي ان نقوله . الافضل ان نتحدث ساكتين حتى الصباح . وعند الصباح ستقف صغيرتي المحبوبة بجانبي أمام أعمالنا الكثيرة . و بعد ذلك , بعد انقضاء النهار ومشاكله , سنعود و نجلس أمام هذا الموقد ونتحدث .
و الأن قرّبي جبهتك , كذا , – والله يبارككِ , والله يحرسكِ .
جبران
نيويورك عند منتصف الليل
بين 1 و 2 كانون الاول 1923
*****
احمد الله واشكره فقد عدنا لنرعى قطيعنا في الوادي الهاديء بعد ان كنا أستاذين في مدرسة ! أحمد الله وأشكره لأن مريم الحلوة تسمعني صامتا مثلما اسمعها صامتة و تفهمني مشغوفا مثلما افهمها عطوفة .
لقد حمدت الله وشكرت النهار و طوله لان مي كانت طول النهار تتكلم و تأخذ بيدي و تعطي بيدي . وكنت طول النهار انظر بعينيها فأرى اللطف في وجوه الناس , و اصغي بأذنيها فأسمع العذوبة في اصواتهم .
و أنت تسألين عن صحتي , و عندما سألين عن صحتي تتحول بنيّتي الى أم كلها حنان . صحتي جيدة جدا . فقد ذهبت تلك العلة تلك العلة وتركتني قويا متحمسا رغم البياض الذي تركته في شعر صدغيّ !
أمامن الأن مسألة مهمة علينا ان نبحث فيها : تذكرين طبعا انك اظهرت لي منذ اسابيع (( سرّا )) هائلا . و تذكرين أنك لم تظهري (( السر )) الا بعد ان اقبل (( شروطك )) . و الغريب انني قبلتها قبل ان اعرفها . فما هي تلك الشروط ؟ تفضلي يا ستي مريم و قولي ما هي شروطك فأنا مستعد لتنفيذها . لقد ترددت كثيرا في اماطة النقاب عن (( السر )) فأصبحتِ بدون شك مشتاقة الى تمزيق النقاب عن الشروط . قولي ماذا تريدين ؟ وما هي الضمانات او التعويضات التي ترغبين فيها ؟ انما الشروط شروط . و على المغلوب قبولها و تنفيذها – يكفي العالم مشكلة الروهر .
سنعود غدا الى حديثنا و اما الان فلنصعد الى السطح ونقف امام نجوم الليل هنيهة … قولي لي يا صغيرتي المحبوبة , هل الليل اعمق و اروع من قلب الانسان ؟ وهل مواكب النجوم أهيب و أجمل مما يتمشى في قلب الانسان ؟ و هل في الليل او بين النجوم شيء أقدس من هذه الشعلة البيضاء …؟
جبران
مساء الاحد
نيويورك 2 كانون الاول الساعة العاشرة
*****
انما (( النبي )) يا ميّ اول حرف من كلمة .. توهمت في الماضي ان هذه الكلمة لي و فيّ و مني , لذلك لم استطع تهجئة اول حرف من حروفها , وكان عدم استطاعتي سبب مرضي , بل وكان سبب ألم و حرقة في روحي . وبعد ذلك شاء الله و فتح عينيّ فرأيت النور , ثم شاء الله و فتح اذنيّ فسمعت الناس يلفظون هذا الحرف الاول , شاء الله و فتح شفتيّ فرددت لفظ الحرف : رددته مبتهجا فرحا لأنني عرفت للمرة الاولى أن الناس هم كل شيء و أنني بذاتي المنفصلة لست شيئا . و أنتِ اعرف الناس بما كان في ذلك من الحرية و الراحة والطمأنينة , انتِ اعرف الناس بشعور من وجد نفسه فجأة خارج حبس ذاتيته المحدودة .
و أنتِ يا مي , انتِ صغيرتي الكبيرة , تساعدينني الآن على الاصغاء الى الحرف الثاني , وسوف تساعدينني على لفظه , و ستكونين معي دائما .
قربي جبهتك يا مريم , قربيها ففي قلبي زهرة بيضاء أريد أن اضعها على جبهتك . ما أعذب المحبة عندما تقف مرتعشة مخجولة امام نفسها .
و الله يبارككِ . الله يحرس صغيرتي المحبوبة , و الله يملأ قلبها بأناشيد الملائكة .
جبران
3 كانون عند منتصف الليل